فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 431

وهذه الأمور وغيرها ليس فيها شيء يتعلق بأن يكون السجن مدرسة، يتخرج المرء منها شهادة يتميز بها المرء عن غيره، ولكن مما لا شك فيه أن من دخل هذا الامتحان فصبر فهو خير من غيره ممن دخله ولم يصبر.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن نذكر هنا أن هناك مدرسة حديثة معاصرة، مقطوعة النسب، لا تلتقي في شيء مع منهج خير القرون، هذه المدرسة تدعو إلى غريب القول، وعمدة هذا القول يقوم على فلسفة تبرير الابتلاء كطريق على المرء أن لا يسعى للخروج منه بنفسه، أو يدافعه ويعاديه، وكان أول قطر هذه المدرسة كتاب يسمى"مذهب ابن آدم الأول"للسوري جودت سعيد، وهو يعد نفسه من مدرسة مالك بن نبي، ثم تتابع القطر فكان من عمد هذا المذهب كتاب آخر اسمه"ظاهرة المحنة"لخالص جلبي. تقول هذه المدرسة: إن سبب سقوط الحركة الإسلامية وعدم تقدمها إلى مواقع جديدة نحو أهدافها هو تبني الحركة للعنف ضد خصومها وانتهاجها العمل السري، فتبني الحركة للعنف والسرية أعطى لخصومها المبرر أن تضربها وتقضي عليها، والطريقة المثلى للخروج من هذا المأزق هي التالي:

1 -أن تبتعد الحركة الإسلامية عن نفسية الصدام ضد خصومها وأن تتعامل معهم كما تعامل ابن آدم الأول مع أخيه حين قال له: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} . وتطور الاحتجاج لهذا المذهب حتى وصل إلى الاحتجاج بطريقة غاندي ضد خصومة الإنجليز.

2 -على الحركة الإسلامية أن تجعل من السجن سبيلا إلى حالة جماعية بها يتم التثقيف والتربية ومن خلاله يتم مد الفكرة إلى الآخرين.

تنتهي هذه النظرية بالخلاصة التالية: أن الخصم سيمارس العقاب تلو العقاب ولن يجابه إلا بالسلبية في الرد، وبالصفح الجميل، وبعد أن يدرك الخصم أنك لن ترد عليه ستثور في نفسه عقدة الندم ويلقى السلاح ويولي منهزما، وحينئذ سيقع النصر الموعود ...

إن من غرائب الأقوال في هذا الزمان، وهو من الحادثات التي نبتت ولا يعرف لها سلف في التاريخ - سلف مؤمن أو كافر - مذهب غريب، يدعو للعجب من القول، يدعو إلى نبذ العنف ووسائله وأهمها السرية، والعنف والمقصود به الجهاد والقتال. يقول هذا التيار:

إن سبب انتكاسة الحركة الإسلامية، وعدم حصولها على أهدافها أو الاقتراب منها، هو تبني الحركات الإسلامية للعنف، فحيث تبنت الحركة العنف فإنها أعطت الخصوم المبرر لضربها والإجهاز عليها، فلو أن الجماعات الإسلامية واجهت عنف الدولة بالصبر وكف الأيدي، واحتملت الأذى، فإن الدولة بعد ممارستها العذاب تلو العذاب على المسلمين ستصاب بعقدة الندم، وبعدها ستلقي السلاح جانبا، وبعدها سيكون وصول الإسلام إلى الحكم سهلا ميسورا!.

قال جودت سعيد: (وهو إمام هذا المذهب المعاصر وصاحب كتاب"مذهب ابن آدم الأول":

أ - أؤكد أن لا نمارس العنف بجميع أشكاله، ونتقبل العنف الذي يصدر من الآخرين بصدور مفتوحة، وأن نجعلهم يملون من ممارسة العنف بصبرنا على تحمله، وعدم مقابلة العنف بأي عنف، وإنما نقابل العنف بقوله تعالى: {لا تطعه واسجد واقترب} ، وبقوله تعالى: {كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة} وبقوله تعالى: {لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} ، بهذا نقابل العالم. ا. هـ. (1)

ب - ينبغي فورا أن نقلص ونتخلص نهائيا من الجيش والسلاح، وخاصة الأسلحة المتطورة. ا. هـ. (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت