وخلاصة القول أن المطلوب من كل مسلم في كل زمان ومكان لكي يكون مسلمًا مُوحِّدًا أن يحقق معنى (لا إِلَهَ إِلاّ الله) الحقيقي الذي غفل عنه أكثر الناس، وهو ما حوته من شرطي النفي والإثبات، وهما الكفر بكل طاغوت والإيمان بالله والاستسلام له وحده. قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [البقرة:256] وتأمل كيف قدم سبحانه الكفر بالطاغوت، كما قدم النفي في الشهادة .. وما ذلك إلاّ تأكيدًا لأهمية هذه القضية وخطورتها ..
• قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: (يُفهم منه - أي من الآية السابقة - أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى ومن لم يتمسك بها فهو متردّ مع الهالكين) اهـ.
فإذا علمت هذا، فلا تظنن الطاغوت ما هو إلاّ أصنامًا من حجر فتُحجّر معنى واسعًا، بل الطاغوت يشمل هذا وغيره .. فهو لغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، قال تَعَالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] فهو كل ما طغى عن حده الحقيقي فعُبد مع الله تَعَالى بأي نوع من العبادة المشار إليها آنفًا ..
وعلى هذا فلكل زمان ومكان طواغيته المختلفة ولا يصير المرء مسلمًا موحدًا حتى يكفر بكل طاغوت، وخاصة طاغوت زمانه ومكانه ويتبرأ منه ومن عبادته .. فهناك من يعبد النار كالمجوس فهي طاغوتهم التي لا يصيرون مسلمين وإن آمنوا بالله تَعَالى حتى يكفروا بها .. وكذلك من يعبد الشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب فهي طواغيتهم التي لا يصح إسلامهم إن أسلموا حتى يكفروا بها ويتبرءوا من عبادتها .. وكذا من يعبد الأصنام كما كان حال كفار قريش وغيرهم فهي طواغيتهم التي لا يصيرون مسلمين إلاّ بالكفر بها وإن أقروا وآمنوا بالله ربهم وخالقم ورازقهم ومالكهم كما أخبر تَعَالى عن كفار قريش: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [يونس: 31] ومع ذلك قاتلهم النبي ? ولم تُعصم دماؤُهم ولم يصيروا مسلمين حتى كفروا بتلك الأصنام وتبرؤوا من عبادتها .. وقد تقدم قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب حول حديث أبي مالك الأشجعي (مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاّ الله وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ) .
• ويقول الشيخ العلامة حمد بن عتيق رحمه الله في كتابه (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) : (اعلم أن الكفر له أنواع وأقسام تتعدد بتعدد المكفرات وكل طائفة من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوع منه، ولا يكون المسلم مظهرًا لدينه حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته، والبراءة منه ... ) اهـ.
إذا فهمت ما سبق، فاعلم أن من أشنع طواغيت العصر في بلدنا هذا وفي كثير من بلدان المسلمين هو هذا (الدستور وقوانينه الوضعية) التي خضع لها العباد وخنعت لها الرقاب .. وعبادتها تكون بإتباعها والتحاكم إليها والتسليم بتشريعاتها والرضى بها ..
• يقول مجاهد: (الطاغوت الشيطان في صورة الإنسان يتحاكمون إليه وهو صاحب أمرهم) .