أليس من سننية النصر أن يفترق الناس إلى فريقين، وينقسم الناس إلى معسكرين: معسكر إيمان لا نفاق فيه ومعسكر كفر لا إيمان فيه؟ فكيف يحصل هذا بدون محنة وبلاء وعذاب ومشقة؟ لكن اعلموا أن أهل البدعة والضلالة وإن ملكوا الأموال والمناصب، وإن سارت بأسمائهم الركبان، وإن فتحت لهم السدود والحدود فإن ذل المعصية والبدعة مضروب على جباههم، معلق على صدورهم، فها هو الطاغوت يتلعب بهم، ويلهو الشيطان لهم، ويدحرجهم كما تدحرج الكرة، فكفى بذلك لك عبرة، فإياك أن تمر بك الآيات دون نظر وعبرة: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} .
واحذروا من زمزمة القراء، وكثرة المتشدقين، قال -صلى الله عليه وسلم-: (( أكثر منافقي أمتي قراؤها ) )، وعليك بالسنة والأثر والرجوع إلى فهم السلف ومنهجهم فهم أعلم الناس بدين الله تعالى.
إن من بين المعوقات التي تمنع الكثير من طيبي القلوب وحسني النية من متابعة تأييدهم ومشاركتهم للأعمال المؤثرة في حياة البشر هو أنهم يعيشون حالة من التسامي مع الأفكار والمبادئ، ويشعرون بجمالها وهي تحاور على الورق أو تناقش في الندوات والجلسات الممتعة، لكنها حين تخرج من حيز القول والاعتقاد إلى عالم التطبيق والحقيقة فإنهم يصابون بالصدمة النفسية إذ لم يكونوا يربطون بين جمال الأفكار المجردة وبين صورتها الواقعية والعملية، وهؤلاء على الدوام يخسرون التأثير وكذلك يكثرون اللوم والتقريع.
حين يأتي شيخ ويتحدث عن حكمة وعظمة التشريع في حد الزاني المحصن، وأن الرجل أو المرأة يشدان إلى ثيابهما ويوضعان في وسط الناس، وتحضر لهما الحجارة فيقوم الناس برمي الزاني والزانية بهذه الحجارة حتى يتم موتهما، هذا المنظر بكل انفعالاته الواقعية، وبكل ما يحمل من مدلولات وتأثيرات على النفس، إذ عليك أن تتصور صراخ المحدودين ونزيف الدماء، وصياح الناس، وتفاوت النفوس في رؤيتها لهذا الحدث، فهذا محب للمرجوم فهو يبكي على حالته، وقد تضطرب نفسه فيصاب بما يصيب أمثاله إن كان من ضعاف النفوس في موقفه أمام هذه الأحداث فقد يشهق شهقة، وقد يرتفع عويله وصراخه فيقع منه الهذيان، وقد يجتمع أطفال الزانية أو أولاد الزاني فيبكون فقيدهم، مثل هذه الصور قد لا يستطيع الشيخ الذي يتحدث عن عظمة التشريع وحكمته أن يواصل النظر إلى الحدث حتى نهايته، وقد لا يطيق رؤية الدم وهو يخرج كالنافورة من رأس المرجومة فيصاب بالغثيان أو يخر صريع الغيبوبة، فهناك فارق كبير بين جمال الأفكار وبين واقعيتها.
حين يتحدث الناس عن الجهاد في سبيل الله تعالى، فهذه كلمة جميلة وجميلة جدا - الجهاد في سبيل الله تعالى - ولكن واقع الجهاد ليس جميلا كله في كل أحداثه، فالجهاد ليس هو هذه الخطب الرنانة، وليس هو تلك الكلمات الجميلة، وليس كله غنائم وسبايا، وليس كله نصر مؤزر، وليس كله خطب نارية، بل فيه موت الحبيب، وفيه جرح الصديق، وفيه تطاير الأشلاء وفقد المال، وفقد المعين، وبمعنى آخر فيه جانب من المشقة، بل المشقة العظيمة، ثم فيه اختلاط الجنود وحصول الخصومات بين الناس، فهذا ضرب هذا، وهذا خاصم هذا، وهذا شط على هذا، فهو حركة