فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 431

بشرية، وفيه أخطاء واجتهادات، وتأويلات بعضها يستساغ وبعضها ليس كذلك، فهناك حد فاصل بين جمال الفكرة وسموها وبين واقعيتها.

لو أخذنا تصور الناس وخيالهم لواقع الدولة الإسلامية، لوجدنا أنها أقرب ما تكون في أذهانهم إلى عالم الأحلام، عالم مليء بالصور الجميلة، والفراشات الطائرة، والألوان الزاهية، والسماء تنزل غيثها على الدوام، والضرع مليء في كل حين، والأعداء يخافون جانبنا لما يعلمون من نزول الملائكة معنا في القتال، فهم يتصورون دولة الإسلام التي لا فقير فيها، ولا مريض فيها وكل من طلب شيئا فهو بين يديه، ولكن لو نظرنا لدولة النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وجدنا هذه الجنة، بل لوجدنا أن معاناة الصحابة -رضي الله عنه-م في دولة الإسلام في المدينة أشد من معاناتهم وهم في مكة.

فهل حصل للصحابة -رضي الله عنه-م في مكة ما حصل لهم في غزوة الخندق {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} في دولة الإسلام زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وابتلاء كالزلزال بل هو الزلزال نفسه.

قارن بين هذه الصورة وبين الصورة التي يحاول رسمها مشايخ هذا الزمان لدولة الإسلام، فهم يعدون الناس بالدولة التي لا خوف فيها ولا مشقة، بيت لكل إنسان، طعام لكل بطن، والناس يدخلون في الإسلام لمجرد رؤيتهم لنا ولدولتنا، وعلى هذا فالناس يأتون إلينا (إلى جماعتنا) لأن في أذهانهم أننا الحزب الذي سيؤمن لهم من النعيم الدنيوي أكثر مما تؤمنه الأحزاب الأخرى.

لكن لو قلت لكم: إن ثلاثة من الخلفاء الراشدين ماتوا قتلا، وعلى يد أناس لم يحتاجوا لكثير من التخطيط لقتلهم:

-فعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قتله عدو الله أبو لؤلؤة المجوسي وهو قائم في صلاة الفجر، بين يدي شيوخ المسلمين وعلمائهم وقادتهم ورؤسائهم.

-عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه انطلق الهوجاء وسيطروا على المدينة حتى دخلوا وهو يقرأ القرآن على الخليفة الصائم -رضي الله عنه- وذبحوه في بيته وهو يقرأ القرآن.

-علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قتل في وسط المسجد وهو قائم يدعو الناس إلى صلاة الفجر، وبين طائفة، يأتيه ابن ملجم الخارجي فيضرب هامته بالسيف بتصرف فردي وباتفاق مع آخرين على قتل معاوية وابن العاص، وهذا عصر الخلافة الراشدة وما أدراك ما بعده ولذلك علينا أن نقول: إن الذين يتصورون عالم الإسلام العملي (حركة المرء المسلم في الحياة) هو عالم لا يمت إلى عالم البشر، وهو خارج عن حركة الحياة برمتها هؤلاء واهمون، ويعيشون توهمات وخيالات فبمجرد اصطدامهم بالصورة الحقيقية لهذه الحياة ستجدهم ينقلبون على أنفسهم، يعلنون اعتزالهم وعدم قدرتهم على تحمل هذه الحياة.

إن العيش مع الكتب وبين الكتب، ومع الأفكار والقلم والورق ليس هو الإسلام إنما الإسلام هو حركة الحياة، حركة البشر (الإنسان) بما فيه من صواب وخطأ، فالصواب يقوى ويدعم، والخطأ يقوم ويصلح، فعالم الإسلام العملي فيه الصواب وفيه الظلم، فيه الصدق وفيه الكذب، وكل له مقامه في الإسلام.

الإسلام يعترف بوجود الخطأ كونا، ولا يلغيه في الخلق والوجود ولذلك أنزل الله تعالى الحدود وأنزل العقوبات، وأنزل الأحكام، والخطاب الرباني في ذلك كله للمجتمع المسلم الموحد المجاهد وليس هو خطاب لغير المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت