فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 431

فإنه لما قدر على تكسير صنم واحد كسره ولما قدر على تكسير كل أصنام الكعبة يوم الفتح فعل ذلك.

الوجه الرابع: أنه قد ثبت من فعل الصحابة ? ما يدل على أن التغيير بالقوة كان معروفًا قبل عصر التمكين؛ فمن ذلك قول ابن مسعود ?: [لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي] (40) .

والظاهر أن هذه المقاتلة كانت باليد لا بالسيف، ولكنها على كل حال نوع من التغيير باليد فعله عمر ? ليمكن المسلمين من الصلاة في البيت، وواضح أن ذلك كان بمكة قبل الهجرة.

الوجه الخامس: أن إبراهيم ? قد حطم أصنام قومه وهو وحيد مستضعف، وهذا استدلال صحيح سواء أقلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا، أو قلنا إنه ليس شرعًا لنا إلا إذا وافق شرعنا فإنه موافق -بحمد الله- لما صح عن رسول الله ? بل أقول إننا مطالبون بالاقتداء بإبراهيم ? حيث قال تعالى:

{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِين مَعَهُ} (الممتحنة: 4) ولم يذكر لنا القرآن رسولًا للاقتداء به على وجه التعيين إلا رسولنا محمدًا ? وإبراهيم ?، بل إن الإمام ابن حزم يرى أن شريعة إبراهيم هي شريعة محمد ? حيث يقول:

(( وأما شريعة إبراهيم ? فهي شريعتنا هذه بعينها، ولسنا نقول إن إبراهيم بعث إلى الناس كافة، وإنما نقول إن الله تعالى بعث محمدًا ? إلى الناس كافة بالشريعة التي بعث الله ? بها إبراهيم إلى قومه خاصة دون سائر أهل عصره، وإنما لزمتنا ملة إبراهيم لأن محمدًا ? بُعِث بها إلينا، لا لأن إبراهيم ? بُعِث بها قال تعالى:

{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} (النحل: 123) وقال تعالى:

{بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} (البقرة: 135 ) ) ) (41)

فإن قال قائل فأين شرط القدرة فإنكم لم تذكروه فيما ذكرتم من الشروط؟ وقد نُقل عن بعض أهل العلم من المعاصرين أنه لا يجوز الإقدام على تغيير المنكر إلا بتوافر شرط القدرة.

قلنا: معنى القدرة: أن يعلم المغير أن في قدرته أن يغير المنكر، والقدرة بهذا المعنى شرط في الوجوب وليست شرطًا في الصحة ولذلك لم نذكرها فيما ذكرنا من الضوابط.

والدليل على أن القدرة شرط في وجوب تغيير المنكر قوله ? في حديث أبي سعيد: [ ... فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ... ] (42) فقوله فإن لم يستطع دليل على أن مناط الوجوب القدرة فمن فقد القدرة سقط عنه الوجوب.

وأما الأدلة على أن القدرة ليست شرطًا في صحة التغيير فكثيرة منها:

1 -قوله ?:[سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر

فأمره ونهاه فقتله] (43) .

فلا شك أن هذا الرجل لم تبلغ قدرته أن يغير منكر ذلك الحاكم الجائر، ومع ذلك أنكر عليه فكان من نتيجة ذلك أن قُتل في سبيل الله، فعده النبي ? سيد الشهداء مع حمزة ?.

2 -ومنها ما جاء في قصة عاصم بن ثابت لما بعثه رسول الله ? على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابة مائة رام، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ... ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل ... (44) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت