فطرة الاجتماع والمدنيّة والعمران، وهي أمور بشرية فطرية لا يمكن للإنسان أن ينخلع منها، ولا أن تذهب عنه، لكن سعي الصوفيّ الدائم إلى التّحرر منها أوصله إلى الجنون، وهو الّذي لاحظه الإمام الشّافعي قديمًا فيهم حين قال: لم يتصوّف رجل عاقل قط واتت عليه صلاة العصر إلاّ وهو مجنون، فالصّوفي يسعى إلى تحرره من الإرادة البشرية فيه، ولما دخلت الصّوفية إلى الإسلام حاولت أن تجد لها الدّليل الإسلامي لبدعتها هذه، لتستخدمه في نشر أفكارها وشعارها، فكان مذهب الجبر هو خير معين على ذلك، وخاصة حين صار الجبريّة، وهم الأشاعرة، أئمّة المسلمين في عصور التّخلّف والانحطاط، والأشاعرة يقولون بمذهب الكسب، وهو يعني احترام وجود إرادة قلبية للإنسان لا تأثير لها ولا قيمة لوجودها، أي إرادة غير مؤثّرة.
دعاة التّصفية والتّربية، صوفية المنهج والطّريقة، وللطّرافة فإن هذا السّلفيّ الصّوفي سلفي مزعوم يلتقي مع الصّوفي في نقاط عمل كثيرة تجمع بين منهجيهما، ومن هذه النّقاط:
1 -الصّوفيّ شعاره: السّياسة تياسة (نسبة للتّيس وهو لفظ يطلق للدّلالة على الغباء) ، والسّلفي المزعوم شعاره: من السّياسة ترك السّياسة (قالها السّلفي في بعض أشرطته) ، فكلاهما يحرّم السّياسة على أتباعه، ويجعلها رجسا من عمل الشّيطان.
2 -الصّوفيّ شعاره: كلامنا إمّا فوق السّماء، وإما تحت الأرض، ويعني بها أنّ حديث الصوفي لا ينبغي أن يكون إلاّ في أمور الغيب (فوق السّماء: كالملائكة والعرش) وتحت الأرض (القبور والأموات) ، وهو يدل على أنّه لا ينبغي للصّوفي أن يتحدّث في شؤون الأحياء لأنّها تشتّت الهمّة، وتفرّق القلب، وتحبّب الحياة الدُّنيا، والسّلفي المزعوم شعاره ودينه محاربة الأموات من أصحاب القبور، وأتباع البدع المنسيّة الغائبة.
3 -شعار السّلفي المزعوم المعاصر: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله (قالها محمد شقرة، وهو سلفي مزعوم في كتابه"هي السّلفية") ، والصوفي هو الّذي نشر في أمّتنا مقولة: قيصر ظلّ الله في الأرض، من أهان سلطان الله أهانه الله.
التّصوّر الصّحيح لمفهوم التّصفية والتّربية عند أهله وأصحابه، في حقيقته صورة جديدة للصّوفية في مفهومها للتّربية، وقبل أن نستعرض هذا المفهوم الخاطئ، علينا أن نتكلّم عن مفهوم التّربية في الطّرح السننيّ المهتدي، كما هو مفهوم من الكتاب والسنّة، ثمّ بعد ذلك نرى قرب الفهم الجديد لهذا المفهوم السننيّ المهتدي. التّربية في الكتاب والسنّة:
قال تعالى: {هو الذي بعث في الأمّيين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} الجمعة. فهذه الآيات ومثلها الّتي في البقرة (129) وآل عمران (164) ، تدلّ على أن عنوان البعثة النّبوية تحقيق التّزكية في نفوس أتباع الشّريعة المهديّة، والتزكية هي التطهير، وهي البراءة من النّقائص واجتناب الرّذائل، ومجمل شريعة محمد ? مجموعة في الآية السّابقة وهي:
1 -تلاوة الحقّ على النّاس/ البلاغ.
2 -التّزكية / التطهير / التربية.
3 -تعليم الكتاب والسنّة / الفقه.
وقد علم الطالب المبتدئ في ديننا الحقّ أن الإسلام هو استماع الحقّ، ومعرفته والعمل به، أي: استماع- علم- عمل. وهي نفسها المذكورة في الآية تلاوة وتعليم وعمل. وقيام العلم في الإنسان