إن أئمتنا كانوا يكرهون من الحديث ما لا يتبعه عمل، وقد ألف الإمام الخطيب البغدادي كتابا سماه"اقتضاء العلم العمل". وقد كره السلف الكلام في الخطرات والوساوس، حتى أن الإمام أحمد بدع الحارث المحاسبي لكتابته هذا النوع من العلوم لأنه لا عمل تحته، وهو إشغال الناس بشيء لا فائدة فيه، أو لنقل فائدته أقل من غيره.
العقلية الفقهية، والمنهج السلفي يحفظ لنا استقلالنا، ويعرفنا بأقرب طريق ماذا يريد الله منا، وإن معرفتنا لمراد الله من أجل العمل هو مقصد خلقنا.
دعاة التجديد والتحرر المعاصرين يجمعهم قيد واحد، وينتظمهم سلك جامع هو دعوتهم إلى تجديد أصول الفقه، لأنه بتغير أصول الفقه ستخرج نتائج مختلفة عما خرج به الأوائل من أحكام وأوامر فهموها من الكتاب والسنة، وقبل أن أخوض باختصار في جذور هذه البدع فإني أنبه إلى نقطة مهمة وهي أن كتب الأصول الحديثة، والتي كتبت من قبل المعاصرين لا نستطيع أن نعدها كتب أصول كما هو إطلاق الأوائل، فكتب الأصول هذه عبارة عن مصطلح أصول الفقه، أي شارحة لمصطلحات أصول الفقه، فهي تعرفنا بأدلة الأحكام الإجمالية سواء كان المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، أو المختلف عليها كقول الصحابي والاستحسان والعرف وغيرها، ثم هي تعرف القارئ بمراتب الأحكام من واجب ومستحب ومباح ومكروه وحرام، وهكذا هي تشرح فقط مصطلحات هذا الفن العظيم، ولا تعالج آلية عمل هذه الأصول في استخراج الحكم الشرعي، بمعنى أن هذه الكتب لا تنشئ أصوليا، وبالتالي لا تنشئ لقارئها ذهنية وعقلية قادرة على استنباط الحكم الشرعي أو الترجيح بين الأدلة (أي الملكة الأصولية) ، فكتب الأصول هذه هي كتب مصطلح فن أصول الفقه فقط، وهي بهذا على خلاف الكتب الحديثية القديمة في أصول الفقه وعلى رأسها كتاب الإمام الشافعي"الرسالة".
أصول الفقه السلفية مأخوذة من منبعين اثنين:
أولهما: اللسان العربي وأساليبه.
ثانيهما: العلاقة بين المخاطِب (بكسر الطاء) والمخاطَب (بفتح الطاء) .
ولنضرب على ذلك مثالا:
لو جاز للناس أن يختلفوا في دلالة الأمر في أصل اللغة العربية، وهل يفيد الوجوب (كما هو رأي الجمهور) أو يفيد غير ذلك أم أنه لا يفيد إلا مجرد الطلب، قلت: لو جاز للناس أن يختلفوا في أصل الوضع اللغوي لصيغة الأمر هذا الاختلاف لما جاز لهم أن يختلفوا على دلالة الأمر في الكتاب والسنة، وسبب ذلك أن العلاقة في هذا الخطاب بين الآمر والمأمور هي علاقة العبودية - سيد يأمر وعبد يطيع - وهذه العلاقة توجب على الدارس أن يحمل صيغة الأمر على الوجوب وعلى الفور كذلك، فلو طلب صديق من صديقه - علاقة متكافئة - شيئا واستخدم صيغة الأمر فإنها لا تحمل في طياتها دلالة الوجوب، لأنها لم تقع على صفة الاستعلاء، والأمر في الكتاب والسنة وكذا النهي إنما يقعان على وجه الاستعلاء - سيد يأمر وعبد يطيع -.
ولما كان القرآن والسنة لغتهما عربية فالمرجع في الفهم هو العربية وأساليبها، ولما كان - هؤلاء المبتدعة قد تنشقوا وتضلعوا في غير بيئة العرب، ونشأت دراستهم في معاهد غربية، فإنهم ظنوا أن هذه الطرق الجديدة في التحليل والتفكيك - كما يسمونها - هي الأقدر على معرفة مراد الله في كتابه ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وتكون قواعد هذه الآلية والعقلية والملكة لا تستند إلى القواعد العربية، فيشنوا غاراتهم على أصول الفقه لوجوب تجديده - أي تغييره -.