هذه القصّة التاريخيّة ومن حديث القرآنِ الشَّيق عنها كشفت لنا أن الجهاد هو بداية الأمر وهو نهايته، وهو منهج الله تعالى في ابتلاء الناس، لتكتَشِف الأمة حقيقتها.
وفي النهاية نخلص إلى النتائج التالية:
1 -الملأ يناورون، والجهاد يكشفُ حقيقتهم، وليس بغير الجهاد تُكشف حقيقة الملأ، الملأ الممتلئ فلسفةً ومناورة، والملأ الممتلئ تبجُّحا وتيها.
2 -طالوت يعرف حقيقةَ جنودِهِ خلال مسيرته وحركته للجهاد في سبيل الله تعالى، وليس بعيدًا عن أرض المعركة والحركة ونحوها.
3 -الإيمان لا يتنافى مع بعض ما يعتري النفس من خوفٍ ووجل، وليس هذا الخوف والوجل مبررًا لترك إعلان الجهاد في سبيل الله تعالى.
4 -قيادة داود عليه السلام برزت من وسط المعركة، ومن خلالها، وبعد برهان حقيقي أنه من عنده القدرة على إصابة الرأس -جالوت- فهو يستحق أن يكون الرأس.
5 -إنَّ العلم الشرعي شرْطٌ من شروط القيادة الجهاديّة، لأن الجهاد حركةٌ مضبوطة بضوابط الشّرع وأوامر الإله جل في علاه.
6 -إنّ شعيرة الجهاد فضل إلهي، ومنّة ربانية، ويجب على الأمة أن تقبل فضل الله ومنّته، ومن أعرض عنها فهو الخاسر المغبون.
إنّ من أشدّ القضايا معاناة لدى الحركة الإسلاميّة هي عدم وجود القائد المناسب، والرمز الصّحيح للتيّار والحركة، وعلى الرّغم من وجود المدّة الزّمنيّة المناسبة لإفرازه إلا أن الخطوات ما زالت متعثّرة وفاشلة، ونحن نرى الشّباب المسلم من أشدّ النّاس احترامًا لمسئوليْه وقيادته مازال بعيدًا عن القيادة، غير مختلط بها، حتّى إذا عايشها وخالطها اهتزّت لديه الثّقة، وسقط الاحترام، وبدأت صيحاته تتعالى في بيان أخطاء مشايخه وقيادته، وهذا يؤكّد أنّ إفراز القيادة بالطّرق التي اتّبعَتها هذه الحركات هي طرقٌ فاسدة وخاطئة، ومن أجل الحفاظ على صورة الشّيخ المحترم، والقائد المقبول يحاول بعضهم إحياء الطّريقة الصّوفيّة في التّعامل مع الشّيوخ، لكنّها تكون مغلفة بغلاف العمليّة أو السّلفيّة، أو التّبريرات الإداريّة التي اشتقّت من نظم جاهليّة لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، فالمحاولات المتكرّرة في إضفاء صفةِ القداسة على القيادة لم تعد تدوم طويلًا أمام اختبارات القرب والتّعامل بين القواعد والقادة، ومن صمد منهم أمام هذه الضّغوط القسريّة من القادة، بغضّ الطرف عن النّظر إلى أنوار الشّيوخ والقادة فإنّه سيخرج صورة شوهاء من رجلٍ باع عقله وإرادته لمثل هؤلاء القوم، وحينئذٍ فإنّ الحركة تصبح مجموعةً من الأبواق التي تسير وراء ناعقٍ واحدٍ فقط، هذه الصّورة هي أقرب ما نرى في الواقع من تركيبة الجماعات الإسلاميّة.
المشكلة الواضحة هي كيف توفَّق الجماعة المسلَّحة المهتدية في إيجاد الاحترام بين أفرادها على العموم وبين قواعدها والقيادة على الخصوص، وبين وجود المدى الأقصى من القدرة على احترام العقل الذّاتي والإرادة المستقلّة؟ وقد يظهر لبعض قاصري النّظر استحالة وجود هذه التّركيبة، واعتقادُ الاستحالةِ مردّه إلى عدم فهم أحد طرفي المعادلة، فقد يُدخِل البعض صورًا أو ممارساتٍ خاطئة إلى مفهوم الاحترام والتّقدير، وبالتّالي يجعل من أضداد الاحترام عدم وجود هذه الممارسات والسّلوكيّات.