تعالى. لو قال قائل: لكنّه كان كثير المال، عنده الجواهر بالأطنان، والذّهب بالأرطال، والمال لا يُعَدّ بين يديه. قلنا له: صدقْت وهكذا كانت الأمّة، غنيّة مثلهُ، فلم يكن غنيًّا وأمّته لا تجد لقمة الخبز، كما هو حال الظّلمة والمتكبّرين، ثمّ قلنا لهم كذلك، هذا كلّه من فضل الله تم بالجهاد في سبيل الله، حيث أورثه الله تعالى بالجهاد ديار الظالمين، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( جعل رزقي تحت ظلّ رمحي ) ).
نقول هذا الكلام ردًّا على من يحاول أن يبحث عن القيادة الصّحيحة الحقّة للتّجمّعات الإسلاميّة، وكذا التّنظيمات والتّكتّلات، فلن نستطيع شئنا أو أبينا أن نفرز قيادة حقيقيّة إلاّ في الظّرف الصّحيح لهذا الإفراز، هذا الظّرف هو الجهاد في سبيل الله. حين يبرز قائد تلتقي حوله الجماعة في ظروف الشّدائد والأهوال، والمصابَرة والمكابَدة، وهي ظروف قاسيةٌ، تكشف المعادن على حقيقتها، حينئذٍ يكون معدن القائد خالٍ من الشّوائب والكدَر، فهُو قائدٌ حقيقيّ يستحقّ هذا المنصب، بل المنصبُ يتشرّف به ويفخر، لكن في زمن الدّعة والخمول، وفي زمن المهانة والرّذيلة، وظروف الخسّة والعار، يأتي لنا شيخٌ معمّم جلّ ما يملك هو إتقانه صنع الكلمة الحماسيّة، أو المنمّقة، فيأسرُ ألباب السّامعين، فيسارعُ الغثاء إلى تسييده وتأميره، فهل هذا هو الطّريق الحقيقيّ في اكتشاف القيادة الصّائبة؟ أو حين يَطْلُع علينا رجل ملك البريق الدِّعائيّ، سواء بقدرته على إنشاء مجلة أو نشرة أو جريدة، بها واستطاع أن يشرف على الناس، فيعرفونه كاتبا مرموقا، أو سياسيا خبيرا، فهل هذا هو الطريق الصائب للقيادة الحقيقية؟.
هذه أمثلة وعليك أن تقيس عليها، لتعلم أن القيادة الحقيقيةَ إنما تُعلم بالجهاد في سبيل الله تعالى، في زمن الصِّعاب والشدائد.
عرض القرآن الكريم لنا نموذجا رائعًا لاستخلاص الشَّهد من بين ركام الأخلاط، وكان هذا العرض والتصوير مثلا حيًّا وحقيقيًا في تعليم الأمّة كيف يخلص هذا الخلوص، وكيف تتميز الصّفوف، وكيف تعرف مقاديرُ الرّجال، وهذا الحدَث التاريخيّ كما عرضه القرآن العظيم فيه الردّ الجليّ الواضحُ على الطّرق المُبتدعة في إعداد الكوادِر، أو صنعِ الكفاءات، إذ أنّ الكثير من أصحاب الأفكار الهجينة المعاصرة يطرحون طريقة بدعيّة أو طرقا بدعيّة في الأمة، وهم في دعواتهم هذه التي سيتبيّن لنا أمرها وحقيقتها إنما هم يفرغون الشباب المسلم من الطاقات الإبداعية الحقيقيّة.
يحاول أصحاب التربية المزعومة أن يوجدوا الأدلّة على طريقتهم في صنع الأمّة، ورجال الأمّة، وتراهم يصرخون في كل وادٍ أنّ الأمّة والشّباب المسلم بحاجة إلى تربيةٍ وإعدادٍ قبل أن يوضع في معترك البلاء والامتحان، ولعلّ أبرز أدلّة هذا التيار البدعي هو احتجاجهم بحادِث طالوت عليه السلام، وها نحن نعرض هذا الحادث كما صوره القرآن ليتبيّن بجلاء أبلج أن هذا الحدث عليهم لا لهم، وهو في الحقيقة عُمْدةٌ من عُمد حركات الجهاد، ودليلٌ من أدلّتها أنّ حركة الجهاد هي التي تربي الأمّة وتُبرز القيادات، وتعرّفنا بمقادير الرجال.
في سورة البقرة حديث مطوّل عن بني إسرائيل، وكان من كلام الله تعالى في هذه السّورة عن بني إسرائيل بعد موسى عليه السّلام [البقرة من آية 246 - 252] : {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله} وفي الآية كما نرى أنّ الذين طلبوا الملك هم"الملأ"، والملأ في القرآن وصف لا ترتاح له النّفس، فبمجرّد ذِكر الملأ وإطلاق هذه الصِّفة على قوم تتوجّس خيفة، وترتقب أوصاف شؤم وقبح (راجع كلمة الملأ في