فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 431

القرآن الكريم)، وليس من عادة الملأ أن يطلبوا خيرًا، وإن طلبوه فهو لأمر خبّئ في أنفسهم، وأنا هنا لا أدري لماذا فرّق الملأُ بين النبيّ والملك المقاتل، وسنّة الله جاريةٌ في الأنبياء سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم أنّ النّبيّ في أتباعه هو الحاكم والقائد والقاضي، وكان هذا الأمر في بني إسرائيل أوضحَ وأجْلى، والحديثُ النّبويّ يشهد لذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ) )فهل هذا الطّلب المشروط في الملأ مقدّمة لنعرف أنّ الذين طلبوه هم"ملأ"، لا يخرجون عن هذا الوصف وإن تزيّنوا بغيره، هذا أمرٌ يحتاج إلى بحثٍ ونظر وإن كان هذا هو الذي تطمئنُّ إليه النّفس في هذا الوقت، بل إنّ هذه السّرعة في كشف حقيقتهم في ختام الآية تنبئك عن هذا الذي قلناه، قال الله تعالى: {فلمّا كتب عليهم القتال تولّوا إلاّ قليلًا منهم والله عليم بالظالمين} .

ثمّ جاءت الآيات تكشف لنا هذا الإجمال وكيف تمّ فرض القتال وكيف سار الحدَث واستقرّ على حاله.

{وقال لهم نبيّهم إنّ الله قد بعث لكم طالوت ملكًا قالوا أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحقّ بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} .

هذا الكلام الربّانيّ يؤكّد لنا أنّ الابتلاء كان للملأ، الملأ الممتلئ مالًا .. الملأ طلبوا ملكًا. ولمّا كان الله عليمًا بالظّالمين، فهو قد علم سبحانه أنّ هؤلاء القوم يطلبون ملكًا فقط، لا ملكًا مقاتلًا، وعُمْدة الحقِّ لديهم في إقرار الملك وقبوله هو أن يكون ممّن له سعة من المال ولو حاولنا تصوّر النّفسيّة الحقيقيّة للملأ، ومحاولاتهم الزّائفة والذّكية في ستر مبرّر القتال لاتّضح لنا الشيء الكثير، فهم طلبوا أوّلًا: {ملكًا نقاتل في سبيل الله} ، ولمّا حاججهم النبي وذكّرهم بعورات نفوسهم .. {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاّ تقاتلوا} فكان جوابهم على قوله هذا مؤكدًا لما قال: وهو أنّ ما علمْت من أنفسنا حبّه والشّغف به هو سبب طلبنا للقتال {قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرِجنا من ديارنا وأبناءنا} .

إنّه حديث الملأ، وهو حديث لكشف الملأ، وهذه المقدّمة تدلّك على ما سيأتي وراءها من أحداث تكشِف الملأ على حقيقتهم.

{فلما فصل طالوت بالجنود} هذه الآية تحمل في طيّاتها معنى تخلُّف الملأ، وفيها إشارة إلى أن الملأ قد سقط في أيديهم فمنهم من لحق بالركب فسار جنديًا، ومنهم من تخلف ليبقى تحت وصف الملأ، فحيث ذهبَت حقيقتهم عن الموقع - الفصل - ذهب وصفهم، فمن فُصِل به فخرج معهم سار تحت وصف جديد هو"الجنود"..

فصل طالوت {بالجنود} ، وطالوت عيِّن مَلِكًا بقرارٍ لا دخل للجنود ولا للملأ فيه، بل ببعثٍ إلهي {إنَّ الله قد بعثَ لكم طالوت ملكًا} مبرّر البعث {بسطَةً في العلمِ والجسم} ، القوّة والأمانة. جاء امتحانٌ تشريعيٌّ لا دخل للبشر فيه وهو قول طالوت: {إن الله مبتليكم بنهرٍ فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنّه منّي إلاّ من اغترف غرفةً بيده} فهذا أمرٌ تشريعي من وضعٍ إلهي، وليس استحسانا بشريّا لشروط يضعها أصحاب التّصفية المزعومة، والتربية المدّعاة، فكيف يجوز للناس أن يشترطوا شروطا للجهاد ما أنزل بها من سلطان؟ وما هي الأدلة على هذه الشُّروط البدعية؟ فهذا شيخٌ يريد من الأمّة أن لا تجاهد حتى يصبح قيام الليل ديْدنها بلا تخلّف أحد منها، وهذا شيخٌ لا يُجيز الجهاد للأمّة حتى تحفظ الأربعين النوويّة، وهذا شيخٌ يشترط للجهاد أن تصبح الأمّة منظِّرةً في السياسة وفهم الألاعيب الدولية، وهذا شيخٌ يوجب على الأمّة قبل الجهاد أن تنبذ المذهبيَّة وإلا سيكون جهادها في سبيل المذاهب الأربعة وهذا .. وهذا .. ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت