فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 431

يذهبوا بنا نحن كذلك إلى السّجن، وقولهم هذا واضح تمام الوضوح في مخالفته لفطرة الإنسان السويّ، فإنّ الإنسان السّويّ يكره القيد ولا يشتهيه، بل يحاول جاهدًا أن يخرج منه إن وقع فيه، ولكن حيث أثّر قيح الفكر الصّوفيّ في كلّ جوانب الحياة، فغاير بين الحقائق، فشتم الصّواب وعابه، ومدح الخطأ وشجّع عليه، وهذا الذي قالوه ينسجم تمام الانسجام مع نتائج الفكر الصّوفيّ، فنحن نعلم ما يمدح التّلاميذ به شيوخهم هذه الأيّام، حيث يقولون مثلًا: إنّ شيخنا - حفظه الله - لا يقرأ الصّحف ولا يسمع الرّاديو ولا ينظر إلى التّلفزيون .. و ... ، ف شيخنا مشغول طوال وقته بين كتب الأوائل!!.

وهذا الذي قالوه يعيب الشّيخ ويحقره أكثر ممّا يمدحه، وقد وجد كذلك من يمدح العزوبيّة في العلماء، لأنّ انشغالهم في العلم منعهم من الزّواج، أو أنّهم كما قالوا آثروا العلم على الزّواج، ولا ندري كيف يُمدح المرء بأن يجاهد نفسه ليغيّر فطرته وبشريّته؟! فهل يقوى؟! الجواب: بالنفي .. بل نجزم أنّه يضيع الأوقات الكثيرة من تفكيره بهذه الفطرة التي فطر عليها أكثر من انشغاله في بيته وزوجه إذا كان محصنًا (هذا إن كان سويًّا) ، ويكفيه مدحًا أنّ الشّارع أطلق على المتزوّج لفظ المحصن.

وهكذا بفضل الفكر الصّوفيّ تنقلب الحقائق، ومن أراد المزيد فعليه بكتب طبقات الأولياء ليرى العجب العجاب أمثال كتاب:"جامع كرامات الأولياء"ليوسف النّبهاني، و"الطبقات الكبرى"للكبريت الأحمر الشّعراني وأمثالها.

فها هو جودت سعيد وتلميذه ومدرسته يريدون من الأمّة ومن الأئمّة ومن الدّعاة إلى الله أن يذهبوا إلى السّجن باختيارهم، فهل قولهم هذا ممّا يستحقّ أن يناقش من وجهة نظر شرعيّة، أم أنّ الأولى بنا أن نناقشه من باب دخوله في أقوال المكلّفين أو المعذورين؟! أظنّ الثّانية هي الأولى مع مثل هذه الأقوال، لكن ما يجب أن نقوله ونذكّر به هؤلاء النّوكى بحقيقة السّجون في العالم المرتدّ، وهل يجوز للمسلم وقد علم حقيقتها أن يقول مثل قولهم، مع التّذكير مرّة أخرى أنّ رسالة جودت سعيد التي قال فيها هذا القول رسالة موجّهة للشّباب المسلم في الجزائر إبّان حمى الدّعوة إلى إحياء الدّولة الإسلاميّة.

إنّ السّجن في العالم المعاصر وخاصّة في بلاد الردّة لم يعد حبسا فقط، حيث يوضع المرء في جبّ يمنعه من ممارسة بشريّته في الحياة وحركتها؛ فيمنع من أهله وبيته وعمله، بل صارت السّجون آلاما لا تقوى لها النّفس البشريّة بحال، وعلينا على الدّوام أن نتذكّر صنائع المرتدّين مع المسلمين في كلّ وقت وحين، لتبقى قلوبنا ونفوسنا مليئة بالبغض لهم، وعدم التّفكير البتّة بالعفو عنهم أو مسامحتهم، وإن أقلّ ما يحكم فيهم إذا ظفر المسلم بهم هو حكم سعد بن معاذ - -رضي الله عنه- - في حلفائه من بني قريظة، حيث حكم أن تقتل مقاتلتهم، وكلّ من بلغ منهم الحلم، وتسبى نساؤهم، وتغنم أموالهم، وهو حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات، إن ما نراه من ضعف ذاكرة قادة الحركات الإسلاميّة مع خصوم الإسلام جدّ مؤلم، ولا يتلاءم مع طبيعة المعركة بيننا وبين هؤلاء المرتدّين.

الإسلام بين منهجين: الجهاد وابن آدم الأول

كان ممّا قالته هذه المدرسة، ودعت النّاس إليه ترك أيّ إشارة أو كلمة فيها عداوة لأعداء الدّين، حيث يقول جودت سعيد: أن نكون شهداء لله وقوّامين بالقسط مع الذين يسيئون إلينا، وعلينا أن ندرّب أنفسنا أن نكون كذلك، ونتواصى بذلك، ونتواصى بالصّبر عليه، حتّى أنّنا لسنا في حاجة أن نطلق لفظ العدوّ عليهم، وإنّما اختلفنا في التّفسير، والله تعالى علّمنا أن نقول: وإنّا أو إيّاكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت