فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 431

لعلى هدىً أو في ضلال مبين.ا. هـ. هذا الذي قاله جودت سعيد تمارسه الكثير من الحركات المنتسبة للإسلام، فالإخوان المسلمون ما زالوا يردّدون صباح مساء أنّ النّصارى إخوانهم، كما ورد في بيان لهم تحت عنوان:"بيان للنّاس"، وما مؤتمرات الحوار بين الأديان إلاّ صورة مثلى لمثل هذا الانحراف الخطير، وهؤلاء القوم يمارسون هذه الأخلاق التي يزعمونها حسنة، ولكنّها على حساب الإسلام، فالإسلام هو الذي يجني الثّمار السّيّئة لهذه الأفعال القبيحة، وهذه المقولة وغيرها من المقولات تؤكّد ما قلنا مرارًا من أنّ هؤلاء القوم يفقدون الفهم الصّحيح للبّ هذا الدين وجوهره، وحكمته التي إن لم يفقهها المرء فقد الرّشد كلّه، واضطربت رؤاه وتصوّراته، وجوهر الدّين قائم على العبوديّة لربّ العباد، وأنّ الإنسان عبد لهذا الإله الحقّ، فليس له من قول يراه، ولا مذهب ينتحله سوى ما أراده الله تعالى له، فهو لا يقدّم قولًا على قول الله سبحانه وتعالى، ولا يؤثر رابطة على رابطة عبوديّته لربّ العالمين، فإذا أخطأ المرء هذه القضية أخطأ الدّين كلّه، وتظهر حينئذٍ المفارقة بين منهج عبودية الله ومنهج متّبع الهوى والرأي الذّاتي.

من فهم الأولى وآمن بها، واعتقدها على ما هي عليه فإنّه يحارب الخلق ويعاديهم، أو يحبّهم ويواليهم بمقدار قربهم من الله تعالى أو بعدهم عنه، فهو يحارب من حارب الله، ويعادي من كفر بالله .. {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} . وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( وقاتلوا من كفر بالله ) ). فعلّة حركته العدائيّة نحو مجموعة من الخلق هي عداؤهم لله تعالى، ولو كانت هذه المجموعة من أكثر النّاس إحسانًا له وعطفا عليه كأن يكون والده أو والدته، فإنّ المسلم لا ترتجّف يده قط وهو يذبح والده أو أخاه أو ابنه إن وقف هؤلاء مع صفّ الكفر، أي صفّ العداء لله تعالى، وهو كذلك يحبّ من أحبّ الله تعالى، ويدافع عنه، وسيؤثره على نفسه وإن كان من قوم لا يعرفهم أو يعرفونه، إذا فهمت هذه النّكتة فإنّ المرء لا يسأل عن موقف ظهر منه التّناقض بين إحسان قوم له وبين سعيه الجادّ في قتالهم وقتلهم، فعلّة حرب المسلم للنّاس جميعًا هو كفرهم بالله تعالى، لأنّهم يسبّون الله سيد المؤمنين، وحيث سبّ سيّد العبد، فإنّ على العبد أن ينتقم لسيّده لأنّه لا يرضى لسيّده وحبيبه أن يتطاول عليه أحد، أو أن يتّهمه أحد بما ليس فيه، كأن يقول: إن سيّده وحبيبه وإلهه ثالث ثلاثة، أو أ نّ فيه بعض صفات النّقص كادّعاء الشّريك له، أو اتّهامه بعدم قدسيّة حكمته في شرعه وقدره، أمّا إذا كان الرّجل من الصّنف الثّاني، وهو من عامل النّاس على أساس معاملتهم معه فإنّه شاء أم أبى سيكون قد سيَّدَ ذاته، وألّه هواه، وهو لا يلتفت إلى جانب رضى الله تعالى عن الخلق أو غضبه عليه، وهذا هو مظهر تأليه الإنسان لذاته أو لغيره من البشر، وهذه النّقطة هي التي أوجدت الفقه السّيء في أمّتنا نحو الجهاد والقتال، فالجهاد في ديننا في سبيل الله تعالى، أي أنه متعلّق برضى الله وغضبه، فنحن نقاتل من أغضب الله ولو أحسن إلينا أو ادّعى الإحسان، ونحن نكفّ عمّن -رضي الله عنه-، ولو أساء إلينا كلّ الإساءة، وهذا يظهر بوضوح في مسألة الخروج على الحاكم الكافر، فإنّه بمجرّد أن يكفر الحاكم، يجب الخروج عليه، وبذل النّفوس رخيصة في سبيل ذلك، بغضّ النّظر عن كون الحاكم خرج عن الإسلام في نفسه، ولم يتعدّ كفره إلى غيره أم خرج من الإسلام وتعدّى كفره إلى غيره، فعلّة الخروج هي الكفر بالله تعالى، الذي أمرنا بهذا الأمر، هو الذي أمرنا أن نصبر على جور الأئمّة إذا وقع على الرّعيّة كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( وأطع أميرك وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ) )، وعلى أساس هذا ا لأمر ادّعى قوم عدم وجود جهاد الطّلب، وقصروا الجهاد على جهاد الدّفع، وهذا الذي قالوه لم يقله أحد من الأوائل كما قدّمنا عند مناقشتنا لمحمّد سعيد رمضان البوطي، وهذا هو الذي دفع أقوامًا إلى إنكار حدّ الردّة، حيث زعموا أنّ الردّة التي يقاتل النّاس عليها هي الخروج المسلّح ضدّ الدّولة، وليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت