والبعد عن مثل هذه الوظائف له أصل عند السلف الصالح في زمن الخلافة والفتوح فكيف في زمن عبيد الياسق العصري؟ وقد تقدم من ذلك كلام أبي ذر المتقدم حين حضرته الوفاة، فأمر الحاضرين ألا يكفنه رجل منهم عمل (أميرًا أو عريفًا أو بريدًا) .
وللحديث المتقدم عن أبي هريرة مرفوعًا في النهي عن بعض الوظائف عند أمراء الجور شاهد موقوف على ابن مسعود ? أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (2/ 383) .. (كيف أنت يا مهدي إذا ظهر بخياركم واستعمل عليكم أحداثكم وصليت الصلاة لغير وقتها؟ قال قلت: لا أدري، قال:(لا تكن جابيًا ولا عريفًا ولا شرطيًا ولا بريدًا وصل الصلاة لوقتها) .
ويدخل كذلك في الوظائف الباطلة التي يجب على المسلم الموحد أن يطهر نفسه وأهله من رجسها، كل وظيفة فيها نوع تحاكم إلى قوانينهم كالمحاماة والقضاء وأمثالها. وقد صح عن النبي ? أنه قال: (الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ قاض قَضَى بالهوى فِي النَّارِ وَقَاضٍ قضى بغير علم فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ) .
فالقضاة إذن كما قسمهم النبي ? ثلاثة:
• قاض يقضي بالهوى .. وكل ما خالف شرع الله فهو الهوى والجهل والجور.
• وَقَاضٍ يقضي بغير علم .. وليس العلم المقصود هنا طبعًا علم الحقوق والقانون، فلا نعمة ولا كرامة لمثل هذه العلوم النتنة .. بل العلم الذي يجب أن يقضي به القاضي هو علم الكتاب والسنة وما سوى ذلك وسواس الشياطين ..
• وَقَاضٍ يقضي بِالْحَقِّ .. والحق هو ما جاء في الكتاب والسنة لا غير، وأين كتاب الله وسنة رسوله ? في محاكمهم وقوانينهم؟، إنه كما علمت مما تقدم معزول معطل ليس له سلطان، بل السلطان كله والحق عندهم لما نطق به ياسقهم كما تقدم في المادة (53) من دستورهم وغيرها .. وإذا كان الحق معزولًا معطلًا في محاكمهم (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال) و شرع الطاغوت.
وكيف يحل لقضاة يزعمون الإسلام والتوحيد والإيمان {أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} ؟؟ [النساء: 60] . بل كيف يحل ذلك لكل من انتسب إلى دين التوحيد؟؟؟
تبًّا لكل وظيفة أو شيء من متاع الدنيا يخدش جناب التوحيد، وسحقًا لكل عقل تخيرها وقدمها على (لا إِلَهَ إِلاّ الله) والعقيدة والدين.
ورحم الله الشيخ سليمان بن سحمان إذ يقول في رسالة له في بيان معنى الطاغوت بعد أن بين أن الموت وذهاب الحياة كلها أهون من الشرك والكفر مستدلًا بقوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} .. {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} ، قال: (فلو ذهبت دنياك كلها لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها ولو اضطرّك وخيّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت) اهـ الدرر السنية ص (285) من حكم المرتد.
ويقول المودودي رحمه الله تَعَالى في كتابه الحكومة الإسلامية: (إن احتكامنا للمحاكم - التي وضع الطاغوت- لتقضي وتفصل في أمورنا ومشاكلنا أمر ينافي الإيمان ويناقضه .. إنما يقضي الإيمان بالله وكتابه أن يرفض الإنسان التسليم بشرعية هذه المحاكم لأن الإيمان بالله والكفر بالطاغوت أمران متلازمان في القرآن. وطاعة الله والطاغوت في آن واحد هو النفاق بعينه) اهـ.
ورحم الله السلف الذين كانوا يفرون من أمثال هذه الوظائف في أزمنة الشريعة والخلافة والفتوحات .. وكانوا يقولون: (من ولي القضاء فقد ذبح نفسه بغير سكين) .