فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 431

ثانيًا: من أسماء الشّرع عندنا: الهداية، ومعناها البصيرة في إدراك المطلوب، فبالتّالي ما هو شرعيّ أقرب إلى غيره في الوصول إلى الهدف فمُمْتَثِل الطّريقة الشّرعيّة أقرب من العاصي في إدراك المراد.

هاتان مقدّمتان (الهداية الشّرعيّة والهداية التّوفيقيّة) توجبان علينا سؤالًا هو:

إذا كان الأمر كذلك فلماذا وصل الكافر إلى هدفه وجنى المسلم ضدّ مراده؟ لماذا بنى البعثيّون دولتين وشيوخ الإسلام لم يجدوا مأوى لهم؟. مع أنّ كلّ أدوات المعركة كانت بين أيدي المسلمين ومشايخهم كما قدّمنا وكان القليل منها بيدِ أعدائهم (خلافًا لواقعنا الآن) .

أليس هذا السؤال يوجب عليّ وعلى كلّ عاقلٍ (لم يؤجّر عقله لغيره) أن يعتقد أنّ ما قاله المشايخ عن الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة خطأ على الطريقة النبويّة، وليس خطأ من الطريقة النبويّة؟.

لكن للأسف وُجد عندنا من قال أنّ هذا الطريق هو طريق الابتلاء، ومعناها عنده أنّ الشارع أعطانا طريقةً غير صحيحةٍ من أجل أن يوصلنا إلى ضدِّ أهدافنا وأهدافِهِ ابتلاءً لنا. فهذا هو معنى الابتلاء عندهم:

أن تسلك الطريق التي أمرك بها الشارع فتصل إلى ضدّ أهدافك ابتلاءً لك (وحسبنا الله ونعم الوكيل) .

هل بين ما قُلتُه هنا وبين ما قلتُه سابقًا خلاف؟! بمعنى أني قلتُ أنّ الطريقة الكونيّة التي يسلكها عقلاء البشر في بناء دَولتهم هي عينها الطريقة النبويّة في إقامة الدولة الإسلاميّة، لأنّ الدَّولة شيءٌ وجوديٌّ كونيٌّ واسمها يُطلق على شيء واحد عند البشر جميعًا ولكن المضاف إلى هذه الدولة هي الأحكام والقِيَم التي تحكم بها هذه الدولة، فهذه دولة إسلاميّة لأنها تحكم بالإسلام وقِيَمُها مستمدّة من الإسلام، وهذه دولة شيوعيّة لأنها تحكم بالقيم الشيوعية، وهذه دولة بعثية لأنها تحكم بقيم حزب البعث، ولكن اسم الدولة مشترك بينها جميعًا وهو يُطلق على شيءٍ وجودي واحد، والشيء الوجودي (السنة القدريّة) شيء جامع للبشر جميعًا بغضِّ النظر عن دينه وقيمه.

ثمّ إني ثربت هناك ورهَّبت من أولئك القوم الذين يتضلّعون من كتب الأغيار في بنائهم لمعارفهم في طريقة التغيير وبناء الدّول.

في الجواب على هذا أقول:

أوّلًا: إني وإن اعتقدت أن الطريقة النَّبوية هي عينها الطريقة الكونيّة في إقامة الدُّول إلاّ أنّ الخطاب الشرعي لا يَثبُت إلاّ بدليلٍ شرعي، فهو كقولِ من قال إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، وقد أطلقه خيار الأئمّة في باب صفات الله تعالى، إلا أنّ صفات الله تعالى لا تثبت إلاّ بالشَّرع الصَّحيح مع أنها لا تخالف العقل الصَّريح.

ثانيًا: إنّ مهمَّة إقامة الدولة الإسلاميّة تتطلَّب إعمار الباطن بمثالٍ سابقٍ خلالَ حركته وقيامه وقعوده، وهذا المثال يجب أن يكون عبدًا صالحًا، فالواجب ضرْبُ الأمثلة بالشُّخوص المهتدين، وأنا أعتقد أنّ ما من حقٍّ يحتاجه المرء في هذه الدنيا إلاّ وفي الكتاب والسنة ما يغنيه فيه، فلماذا إبعاد النجعة (وإبعاد النجعة معناه أنّ طالب الماء حين يستطيع أن يأخذ الماء من مكان قريب فيذهب إلى المورد البعيد يكون قد شقّ على نفسه وأبعد في الطلب من غير ما ضرورة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت