فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 431

ثالثًا: في كلامي السابق تنبيه مهم على نوعيَّةٍ من الدارسين لكتب الأغيار امتلأوا منها وتضلّعوا حتّى الثمالة فكانت عُمُدُ معارفهم منها، ولم يكن التاريخ الإسلامي عمومًا والسيرة النبويّة خصوصًا عندهم إلاّ غِطاءً وصبغةً ظاهرة لهذه المعارف، فقد تراهم يأخذون المعارف من الأغيار ولكنهم يُأسلمونها بعد ذلك حسب نظريّة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في مشروعه (إسلاميّة المعرفة) ، فهذا الصِّنف من الدارسين يقع في أخطاءٍ لا بدّ من التنبيه عليها.

ونحن في هذا الباب أمام صنفين من الناس:

الصنف الأول: غنوصي عرفاني (ومعناهما واحد وتعنيان من ينكر وجوب الدلائل والمقدمات من أجل الحصول على نتيجةٍ سواءً في المعرفة أو في القَدَر، فهو يُنكر الدليل ويوجب عليك أخذ النتيجة من غير مقدّمة، فإن كانت النّتيجة في القدر(الكونيات) كان جبريًا وزعم بأنّ عالم الشهادة مربوطة أحداثه بعالم الغيب (زعم) بالكليّة ولا قيمة للسنن، وإن كانت النتيجة معرفية كان باطنيًّا وزعم أنّ الإلهام والكشف والذوق دليله).

فهذا الغنوصي العرفاني يقرأ السيرة النبوية قراءة صوفية لا صلة لها بعالم الشهادة والسنن.

والصنف الثاني: انتقائي تجزيئي ومعارفه الأساسية من الأغيار، ودور السيرة عنده التدليس لا التأسيس، وهذا ما عنيته آنفًا.

أمّا إسقاط الكلام السابق على أحد من إخوَتِنا أومعارفنا تحديدًا فهو ظنٌّ لم يُصب صاحبُه فيه، فالمناقشة كانت لظاهرة وليست لفرد من الأفراد {ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات} .

المعارف الكونيّة (معارف الخلق والتّكوين) معارف مشاعة وليست خاصّة لأهل الإسلام، وهي كذلك ليست محصورة ولا محجورة على أصحاب المعارف الشّرعيّة (العلوم الدّينيّة) ، بل قد غلب على هذه العلوم والمعارف الكونيّة غير أهل الإسلام منذ القدم، وقد شكى على الدّوام أهل العلم والذّكاء مِن ترك هذه العلوم لغير أهل الإسلام.

فقد شكى الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى من إعراض أهل الإسلام عن أهمّ علمين على مدار التّاريخ الإنساني بعد علوم الدّين، وهما علم الطّبّ وعلم الحساب، فإنّه لا قوام لحياة البشر في دنياهم إلاّ بهذين العلمين (علم الأبدان، وعلم الحساب) قال حرملة: كان الشّافعيّ يتلهّف على ما ضيّع المسلمون من الطّب، ويقول: ضيّعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنّصارى. [سير أعلام النّبلاء 10/ 58] ، وقال: من نظر في الحساب جزل رأيه. [المصدر السّابق 10/ 41] ، وقد انتشر في بلاد المسلمين الاهتمام الشّديد بعلوم الذّهن وظهر الإعراض عن علوم اليد، وهو ميراثٌ أساء كثيرًا إلى البناء العلميّ للعقول في تاريخ أهل الإسلام المتأخّرين، وقد أصبغ المتكلّمون وخاصّة الأشاعرة على هذه المفاهيم صبغة شرعيّة ولعلّ من أعجب ما وقعوا فيه النّظر إلى العلوم الكونيّة والكلام عليها بطريقة الكلام على المعارف الأخرى حيث استعملوا فيها المنطق الأرسطيّ وقواعده التي سمّاها بالكليّات، وهي موازين لا تصلح لهذه المعارف، فإنّ المعارف الكونيّة لا تحصَّل إلاّ بطريق الحسّ والعقل، فالحسّ لتحصيل المعارف الجزئيّة لهذه السّنن، والعقل لتعميم هذه المعارف لتحصِّل منها القواعد، (وهو المنهج التجريبي) فاستخدام الحس فقط دون اعتبار العقل للتّعميم عن طريق الاعتبار والقياس لا ينشئ قاعدة، واستخدام العقل في عموماته دون الحساب والتّجربة تنشئ أوهامًا أغلبها لا يوجد لها وقائع وحقائق كونيّة، ولذلك كان المتكلّمون (وعلى رأسهم الأشاعرة) من أفسد النّاس نظرًا إلى العلوم الكونيّة، ومن أفسد ما قالوه ما سمّوه قاعدة الجوهر والعرض، وهي قاعدة جعلوها من أصل الدّين وبنوا بعض العلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت