فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 431

الدّينيّة على أساسها، وهي في أساس بنائها لا وجود لها إلاّ في أذهانهم الأرسطيّة الكليلة، وشرح هذه القاعدة يطول أمره وهي باختصار تقول:

1 -أنّ الأشياء كلّها تتكوّن من جواهر متعدّدة.

2 -والجواهر هي أصغر شيء في المادّة، ولا شيء أصغر منها.

3 -الجواهر حقيقة واحدة تتعدّد وليس بينها اختلاف في جميع الأشياء.

4 -العلاقة بين الجواهر في تشكيل المادّة هي علاقة تجاور فقط وليست علاقة تفاعل.

وقد سمّيَت هذه القاعدة مؤخّرًا بقاعدة الذّرّة، وعلى أساس هذه القاعدة التي أدخلت في أصول الدّين بنى المتكلّمون (وعلى رأسهم الأشاعرة) قاعدة التّحسين والتّقبيح وهي قولهم: إنّ التّحسين والتّقبيح شرعيّان، فالأشياء التي حرّمها الله هي في حقيقتها كالأشياء التي أحلّها الله وإنّما التّحليل والتّحريم ابتلاء من الله لعباده من غير علّة سابقة.

فلمّا اقتنع المتكلّمون أنّ الأشياء في حقيقتها شيء واحد، أخذوا يقولون: ما ضرورة البحث إذًا؟! ما أهميّة التّجربة في إدراك حقائق الأشياء وهي في جوهرها شيء واحدٌ؟ فالحديد في حقيقته عين النّحاس وهما عين الذّهب والفضّة، وإنّما الاختلاف في الأعراض (المظاهر الخارجيّة كاللون والوزن وغيرهما) ، وهذه القاعدة هي التي جعلت بعض المجاذيب (من المتكلّمين) يسعون بشقّ الأنفس باحثين عن أكسير الكيمياء، وهذا يعني أنّنا كما استطعنا استخراج روح الورد والزّهر، ثم وضعنا شيئًا قليلًا منه في بركة ماء فتحوّل الماء إلى رائحة الزّهر المُستخرَج منه الرّوح، ولمّا كانت حقائق الأشياء واحدة فلماذا لا نستخرج روح الذّهب فنضعه على بقيّة المعادن فتتحوّل بسبب روح الذّهب إلى ذهب.

هذه العقليّة في تفسير الكونيّات التقت في عدم أهمّية البحث والنّظر وعدم أهميّة العمل في حصول النّتيجة كنهاية مع النّظرة الجبريّة، فكمُلت المصيبة عند أهل الإسلام بالإعراض عن البحث والدّراسة والتّجربة، ثمّ جاءت الصّوفيّة فاستغلّت ذلك كلّه وجعلت الكسل شعار الزّهّاد، وجعلت تحطيم الإرادة نهاية التّعبّد والتألّه، وجعلت المجاذيب والمجانين هم البهاليل (والبهلول كلمة مدح تعني الرّجل الشّجاع الحكيم الكريم ولكنّها أطلقت من قبل الصّوفيّة على مجاذيبهم فانقلب معناها في أذهان النّاس إلى معنىً قبيح وهو المجنون) .

ومن هنا فإنّ أضلّ النّاس كلامًا في الكونيّات هم أهل الكلام، وهم قادة الأمّة منذ القرن الخامس الهجريّ، فكان خلال هذه العصور رجال الكونيّات وأئمّتها هم النّصارى واليهود والفلاسفة والزّنادقة.

أمّا لماذا الفلاسفة كابن سينا والرّازي والفارابي والخوارزمي فهذا له شرحٌ طويلٌ لا يتّسع له هذا المقام.

ولكن، هل العلوم الكونيّة من الإيمان؟ بمعنى هل المسلم البصير بأمور الخلق وسننه أكثر إيمانًا من غيره، كما أنّ المسلم البصير بأمور الشّرع والدّين أكثر إيمانًا من غيره؟.

الجواب بكلّ اطمئنان ويقين: نعم، وعندما يكون الجواب نعم فإنه يعني أنّ الوعود الإلهيّة التي قالها الله تعالى في كتابه وقالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السنّة النّبويّة لا تقع إلاّ بوجود النّوع من الإيمان المتعلّق بالأمور الشّرعيّة والدّينيّة.

وتفسير ذلك، أو دليل ذلك، قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلٍّ خير ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت