فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 431

هو الكفر بالله تعالى، وجعلوا يخبطون في الظّلمات بتأويلات فاسدة مثل قولهم: إنّ قتال أبي بكر الصدّيق -رضي الله عنه- للمرتدّين لخروجهم عن الدّولة وحكم أبي بكر، أي قتال سياسيّ حسب تقسيمهم، وليس هو قتال من أجل حقّ الله تعالى، فأنت ترى العلّة في الخلاف ليست فرعيّة في فهم النّصوص على غير محلّها، ولكن في فهمهم لحكمة الدّين وحقيقته، فهو خلاف بين منهج ومنهج، والخلاف بينهما أشد من خلاف أهل الحديث والمعتزلة، لأنّ أغلب ما قاله المعتزلة قاله هؤلاء وأشدّ منه كذلك، وموقف هذا التّيّار من منهج أهل الحديث معروف، سطّر في كتب أصحابه.

هذه المدرسة التي تضلّعت بالرأي الفاسد، والأصول البدعيّة اضطرت لتوافق منهجها أن تقول بترك عداوة أعداء الملّة والدّين، وكلام جودت سعيد المتقدّم هو في حقّ الفرانكفونيين العلمانيين في الجزائر وليس مع جماعة من أهل السنّة والجماعة. حتّى أننا لسنا في حاجة أن نطلق لفظ العدو عليهم، وإنّما اختلفنا في التّفسير، وهذا الذي قاله لا ندري أقاله لحظة جذبة عرفانيّة أم صحو وإفاقة؟ فما هو الشّيء الذي اختلفنا في تفسيره؟ أهي آيات الله تعالى التّشريعيّة التي اختلفنا حولها؟ إذ أنّ العلمانيين في ذهنية هذا المفكّر قوم أخطأوا في تفسير القرآن الكريم وأنزلوا آياته على غير محلّها؟.

ثمّ هل قضيّة إظهار عداوتنا لأعداء الله خاضعة للرّأي أم هي من أسس توحيد المسلم؟. إنّ الله سبحانه وتعالى بعث محمّدا -صلى الله عليه وسلم- لهدم الأوثان وتجريد الطّواغيت من قداستها الزّائفة وهذا لا يقع إلاّ بعيب الآلهة الباطلة، فقد كان منهجه -صلى الله عليه وسلم- في دعوته إلى الله بيان ضلال ما عليه البشر من عبادة غير الله تعالى، فقد عاب آلهتهم، وسبّ آباءهم، وسخر من أوثانهم، لأنّه لا يتمّ التّوحيد الحقّ إلاّ بالبراءة من الطّواغيت وعبّادهم كما قال إبراهيم عليه السّلام لقومه: {إنّا برءاء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتّى تؤمنوا بالله وحده} . وهذا الذي قاله أبو الأنبياء عليه الصّلاة والسّلام قاله في زمن الاستضعاف، وقلّة النّاصرين، وهو الذي فعله نبيّ الرّحمة والملحمة، فأمر البراءة من الكافرين وعبادتهم ليس ممّا يدخل في باب المصلحة، فإنّ إبراهيم عليه السّلام قال: {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء} ، فقدّم العداوة وهي أمر ظاهر بيّن غير ظنّي على البغضاء وهي أمر قلبيّ خفيّ، ثمّ ليعلم المسلم أن قوله للعلمانيين: إنّنا اختلفنا معكم في التّفسير، هو تصويب لعبادتهم ودينهم، وهو افتراض وجود الصّواب عندهم، وهذا أمر لا يقوله مسلم، فإنّ المسلم الموحّد يجزم بكفر ما عليه العلمانيّون، وهكذا يظهر الخلاف مرّة أخرى بين منهج العبوديّة لربّ الأرباب، وبين منهج تأليه البشر وأهوائهم، فإذا علّق المسلم بغضه للكافرين بكونهم أعداء لله فلن يرضى إلاّ بأن يرمي الحقيقة في وجوههم، ولا تدخل المصالح في هذا الباب البتّة، وأمّا إذا اتّبع المنهج الآخر فإنه سيبقى جاهدًا لإرضاء خصوم الحقّ وأعداء الدّين.

وههنا نصيحة لطلاّب الحقّ وناشديه أن لا يلتفتوا إلى أقوال المعاصرين ولا ينتبهوا لها إلاّ بعد عرضها على منهج الأوائل، فإنّ حقيقة الدّين في الاتّباع وترك الابتداع، وهذا أصل من أصوله التي لا يقوم إلاّ بها، وحيث ظنّ المرء أنّه قادر بذكائه أن يبتدع دينًا جديدًا فهو على خطر عظيم، وإن زعم انتسابه إلى الإسلام، فعليك أخي المسلم بمنهج الأوائل فالخير كلّه في اتّباع من سلف.

موجبات وجود جماعات الجهاد في العالم(3):

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت