فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 431

فقد ظهر من هذا البيان أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الإنفاق وترك العمل لدين الله ? وإيثار الأهل و الأموال على طاعة الله والجهاد في سبيله؛ أي عكس ما يفهم هؤلاء. وإذا كان الرسول ? قد قال: [سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله] (12) . فجعل الذي يموت بسبب كلمة حق يقولها عند سلطان جائر شهيدًا، بل هو سيد الشهداء، فكيف تعتبرون الأذى في سبيل الله ? إلقاء باليد إلى التهلكة؟ ‍!

وقال الإمام أبو بكر بن العربي عند تفسير قوله ?: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الَّنبِيِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} (آل عمران: 21) : (( قال بعض علمائنا هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن أدى إلى قتل الآمر به ... ) )إلى أن قال -رحمه الله-: (( فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، فإن رجا زواله جاز عند أكثر العلماء

الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة فيه؟ والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي )) (13) .

فها هو الإمام ابن العربي يرى أنه حتى لو غلب على ظنك وقوع الأذى لك مع عدم رجاء زوال المنكر، فاهجم واخلص النية لله ? ولا تُبالِ بشيء.

6 -شبهة تنافي التغيير باليد مع الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة:

يستدل البعض بقول الله ? لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخْشَى} (طه: 44) وقوله: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46) وقوله ?: {ادْعُ إِلىَ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) ويقولون إن هذه الآيات تدل على الرفق واللين وإن استعمال القوة في تغيير المنكر ينافي ذلك.

وجوابًا على ذلك نقول:

1 -أما قوله ?: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا ... } : فإن هؤلاء لم يفرقوا بين مقام الدعوة باللسان ومقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد؛ فالدعوة باللسان سابقة -كما بينا من قبل- لاستخدام القوة، فإن اندفع المنكر بمجرد الوعظ والنصح فلا يصح استخدام القوة، وإلا وجب استخدام القوة، ولو كان ما فهمه هؤلاء صحيحًا لما جاز قتال الكفار أبدًا؛ لأن الآية التي استدلوا بها هي في الحديث عن فرعون وهو كافر، فطرد قولهم أننا لا نزال نقول للكفار قولًا لينًا لا شدة فيه حتى لو بقوا على كفرهم وأصروا عليه، وما هكذا كان هدي النبي ? بل كان يدعو باللسان، فمن استجاب فبها ونعمت، وإلا فالسيف يؤدب الطغاة، قال ابن تيمية -رحمه الله-: (( فَقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديًا ونصيرًا ) ) (14) .

وقال الشنقيطي: (( واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين وطريق قسوة، أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وتقام حدوده وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله ?: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ الْنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ} الحديد: 35 ) ) (15) .

وقال الأستاذ سيد قطب -رحمه الله-: (( لا بد من جهد بالحسنى حين يكون الضالون أفرادًا ضالين يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة، وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم ) ) (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت