وإفرازاتها فإن هذه المذاهب الوافدة قد دمرت الأمة الإسلامية، وما هذه الثمار السيئة التي نعيشها إلا صورة مصغرة من آثار هذه الوافدات الخبيثة.
لماذا أذكر بهذا؟ وما هو فائدة هذا التنبيه؟ ليس الحديث عن الصوفية والفلسفة باعتبارهما مثلين لهذا الاختراق إلا مدخلا لهذه الاختراقات التي نراها في هذا العصر الذي نعيشه، مع أن التذكير بهذه الاختراقات مهم جدا لأننا مازلنا نعيش آثار هذه الأفكار القديمة، فما زالت الصوفية تعمل فينا وفي عقليتنا وفي اختياراتنا، وكذا المنطق وعلم الكلام والفلسفة، ولكن ما يهمني هنا هو أن نتمثل القديم لنعرف حقيقة ما يجري حولنا من اختراقات شركية، ومحاولات تدمير عن طريق الوافدات الجديدة ولنتذكر أن مبدأ الاختراق يقوم على التفريق بين معتقد المذهب وبين وسيلته، فالصوفية عقيدة وطريقة وكذا الفلسفة، وحين يريد أصحاب هذه المذاهب إدخال هذه الوافدات على الإسلام فإنهم يفرقون بين الطريقة والعقيدة وهذا منتهى التدليس والتقية.
أهل الاختراق يشعرون المسلمين دائما بحاجة الإسلام إلى الطريقة لإعطائه الفاعلية والحركة، هكذا صنعت الصوفية وهكذا صنعت الفلسفة وهكذا تم اختراق الإسلام ومفاهيمه.
(1) - جوهرة التوحيد.
(2) - من كلام أبي القاسم القشيري.
(3) -"فصل المقال"لابن رشد الحفيد.
جاءت الاشتراكية بارتباطها العقدي وطريقتها الاقتصادية وزورت لباسها على المسلمين بهذا التفريق (أي التفريق بين العقيدة والطريقة) ، ومع أنها في بداية الأمر ككل المذاهب والنحل الوافدة طرحت نفسها بصورتها الحقيقية وبأبعادها الشاملة فلما سل عليها حكم التكفير والزندقة عادت لتتخفى بهذا التفريق المذكور، فانطلت الحيلة وصار الإسلام اشتراكيا أو بالمصطلح الذي ذكرناه: أسلمت الاشتراكية، وبالتالي أصبح الإسلام: الطريقة =صوفية، الحكمة = فلسفية، الاقتصاد = اشتراكية.
ثم جاءت الديمقراطية، وكانت عند أصحابها دينا إنسانيا لها بعدها العقدي (الأيديولوجي) ولها بعدها السياسي الليبرالي، وكما قال الأوائل عن الصوفية الأولى وعن الفلسفة الأولى أنها كفر وزندقة، وسلت عليها سيوف العلم والجهاد، حيث قالوا عنها أنها دين جديد له كل خصائص الدين، وأنها طريقة وعقيدة، عادت وتخفت وخرجت لنا بالثوب الجديد، وهو التفريق بين الديمقراطية كدين وبين الديمقراطية كوسيلة (طريقة) ، مع أن ارتباط الحقيقة (العقيدة) بالطريقة (الوسيلة) هو ارتباط حتمي وعضوي، والتفريق بينهما هو تزوير للحقيقة والواقع، لكنهم بعد هذا التفريق صيروا الإسلام ديمقراطيا أو بالتعبير السابق: أسلمت الديمقراطية.
هل يمكن تصور عدم تأثر العقيدة مع تغير الطريقة؟.
الجواب ابتداء: لا وألف لا، فإن هذه الطريقة هي طريقة خداعية لتمرير القضية خطوة خطوة، وهكذا مذهب إبليس وطريقته - خطوات الشيطان - فعندما يرفض الناس المذهب جملة واحدة فلا مانع من إعطائه لهم جرعات متفرقة بدءا بالأخف وانتهاء بالأشد.
نعم استقرت الصوفية في الإسلام، وصارت هي الإسلام، والإسلام هو الصوفية، وليس من حرج أن نكرر مرة أخرى - أسلمة الصوفية أو تصوف الإسلام - ولكن هل استقرت الصوفية في الإسلام كطريقة فقط، أم أنها بعد ذلك حملت الناس من الطريقة إلى العقيدة؟ لقد استعملت الصوفية التقية في موضوع العقيدة، وبقيت تظهرها بعد أن يبلغ المرء منتهى الاستسلام، ولذلك