ليس مستغربا أن يأتي لنا شيخ محدث مثلا ليجعل عقيدة الإسلام هي وحدة الوجود، انظر كلام الغماري في شرحه حديث (( من عادى لي وليا ) )ورده على الإمام الذهبي - والشيخ من المعاصرين -، هذا غيض من فيض، لقد سيطرت الصوفية بعقيدتها مع طريقتها على عقائد جملة من الناس تحت اسم الإسلام والاهتداء بالكتاب والسنة.
وكذا فعلت الحكمة الفلسفية، أدخلت المنطق إلى طريقة التفكر والنظر، واستقر المنطق في كتب العقائد، (1) واستقر بعد ذلك في أصول الفقه، (2) وبعد أن تم لها هذا لم تجبن في عرض عقيدتها بعد أن صار لاسمها الاحترام والتقدير، فانتهى الأمر أن العقيدة الفلسفية هي نفس العقيدة الإسلامية. (3)
والآن جاءت الديمقراطية: المشايخ يطرحونها باعتبارها طريقة حكم، ووسيلة سياسة، ويفرقون بينها وبين عقيدتها (العلمانية) ، ويقولون إن الديمقراطية هي لب الإسلام وجوهره، حتى أن الشيخ المعمم يوسف قرضاوي لم يخجل من القول إن الإسلام يستوعب الديمقراطية بكل تجلياتها.
ولكن، هل هؤلاء في الحقيقة لا يعتقدون عقيدة الديمقراطية؟ الجواب يظهر من تصريحاتهم وبياناتهم وأنهم صاروا يعتقدون العقيدة الإنسانية التي تعطي الإنسان استقلالية حياته في هذه الدنيا عن الغيب والآخرة.
صار الإسلام إنسانيا أي لم يعد الإسلام الذي عرفه الصحابة -رضي الله عنه-م، والذي جعل هذه الدنيا محطة للآخرة، وأن الإنسان عبد الله، بل صارت الدنيا هي غاية المنى وعلى ضوء أحكامها ومصالحها يستنبط الناس الأحكام والتشريعات دون النظر إلى المقصد ا لأخروي.
وكما حارب الناس قديما من حارب الصوفية، وكما حارب الناس قديما من حارب المنطق وعلم الكلام فها هو التاريخ يتجدد على هذا النسق مع الديمقراطية، إذ صار المسلم المتنور والمفكر الذكي الواعي والمستنير هو المفكر الديمقراطي، وحتى الذين يعرفون منشأ الأسلوب (الطريقة) الديمقراطية، ويعرفون منبتها وعقيدتها فإنهم يفرقون بين العقيدة والطريقة، وهذا عندهم منتهى الأصولية، أي أننا أمام نوعين من المسلمين: مسلم يؤمن بالديمقراطية وجميع تجلياتها، ومسلم يؤمن بالطريقة ويكفر بالعقيدة، لكنا نقول كما قال سلفنا: كلاهما كفر وردة وحكمنا فيهم أنهم زنادقة.
قال الشافعي ومالك رحمهما الله: علماء الكلام زنادقة.
قاعدة التفريق بين الطريقة والعقيدة (الدين وسيلة أم غاية .. ؟!) :
من أساليب أهل البدع الآرائيين التفريق بين الطريقة والعقيدة، فهم يمررون المذهب الجديد والنحلة الوافدة تحت باب إضفاء الفاعلية والحركة على هذا الدين، وذلك بأخذ الطريقة من المذهب والنحلة الوافدة، كما رأينا هذا واضحا مع الصوفي والفلسفة سابقا، وهذا هو الواقع مع الديمقراطية، فإنهم لأسلمة الديمقراطية أو لتحريف الإسلام في البداية فرقوا بين العقيدة الديمقراطية وبين أسلوبها، فهم يزعمون أنهم أخذوا الديمقراطية بآليتها وحركتها وتنظيمها وأسلوبها ورفضوها عقيدة (وأيدلوجية) ، وهذا التفريق مرحلي عند البعض، وإلا فإن الكثير صار ديمقراطيا باعتقاده، أي أنه ذهب يفسر الإسلام من خلال أصل النحلة الديمقراطية وعقيدتها، فصار الإسلام إنساني الوضع، دنيوي الأحكام، لا علاقة له بالآخرة، ولا قيمة لضرورة الدين والرضى الإلهي، وهذا قد بسطناه قليلا فيما سبق عند ذكرنا لمفهوم المصلحة الشرعية والمصلحة في عرف الآرائيين.