وإن من أخطر هذه المظاهر لهذا الاختراق هو الحديث عن الإسلام باعتباره دينا نافعا لا بحقيقة أنه الدين الوحيد الصحيح، وشرح المسألة كما يلي:
مبدأ العلاقة بين المسلم وبين الإسلام هي التعبد، وأنه ما خضع لهذا الدين إلا لكونه صادرا ممن له حق الأمر والنهي، فلو أمر الله تعالى عباده بما فيه ضررهم وعذابهم فعلى العباد أن يطيعوه ويمتثلوا أمره كما أمر الله تعالى عبده وخليله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام -، وأساس ذلك تصديقهم خبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه صادر من الله تعالى ولو لم تحتمله عقولهم، نعم كان من رحمة الله تعالى بعباده أنه ما من أمر أمرهم إياه إلا وفيه تحقيق لمنفعتهم في الدنيا والآخرة، وما من خبر أعلمهم إياه إلا وفي عقولهم القدرة على فهمه وإدراك معناه، وهذا هو لب دين الإسلام ومعناه وجوهره، وأما المبتدعة الجدد والآرائيون والحداثيون فلهم تصور آخر مع هذه الحقيقة وسأسوق قصتين بهما أستطيع إيصال هذا الفارق لإخواني:
القصة الأولى: من المعلوم أن الشيوعية لا تؤمن بالأديان السماوية، وتنفي عالم الغيب بكل ما فيه، ومن هذا الغيب الله سبحانه وتعالى، وقد حاربت الشيوعية الأديان كلها، ولها تعامل خاص مع الإسلام وأهله، فالشيوعيون يكنون حقدا وعداء خاصا للإسلام ولا نريد أن نأتي على شرح أسباب هذا الخصوص، أقول: ومع أن الشيوعية تنكر الأديان، لكن هذا لم يمنع ستالين من أن يفتح الكنائس ويستدعي القساوسة ليدخلهم إلى جبهات القتال، ويفتح لهم أماكن الاجتماعات ليواجهوا الرعايا وذلك خلال الحرب العالمية الثانية، وعندما اجتاح هتلر روسيا، وسبب ذلك أن ستالين رأى في الدين عاملا مهما لتحقيق النجاحات والانتصارات ضد هتلر والألمان والنازيين، فهو لا يعتقد بالأديان ولكن رأى أنه يمكن استغلال الدين في هذه المرحلة لدفع الناس للمقاومة والجنود للحرب، ولهذا أمر بالكنائس أن تضرب النواقيس، وللقساوسة أن يأخذوا دورهم في التحريض والمقاومة، فأنت ترى أن ستالين لم يكن يهمه صحة الدين أو عدم صحته وصواب الدين أو عدم صوابه، بل رأى في الدين عاملا نافعا لهذه المرحلة.
القصة الثانية: الجنرال باتون الأمريكي، أحد القادة في الحرب العالمية الثانية كان بحاجة في إحدى معاركه إلى يوم صحو لتحقيق بعض الإنجازات العسكرية ضد الألمان، فاستدعى رجل الدين النصراني المرافق للجيش، وطلب منه أن يكتب له صيغة صلاة ليسأل فيها ربه لتحقيق يوم صحو، وبالفعل كتب له صيغة الصلاة وقدر الله أن يكون اليوم الذي طلبه صحوا، وبعد المعركة استدعى الجنرال باتون القس العسكري وقلده وساما خاصا لحسن علاقة القس مع ربه كما قال الجنرال.
القصة حقيقية وتظهر لنا أن الدين بالنسبة لهذا النوع من البشر هو لتحقيق مقصد دنيوي، به تحصل المنفعة، وهي صورة تتكرر في استخدام الدين باعتباره يحقق مصلحة لا باعتباره دينا حقا، يحقق العبودية لرب العباد، كما استخدم الجيش المصري شعار"الله أكبر"في معركة أكتوبر ضد اليهود، وكما تضع الكثير من المؤسسات العلمية والاجتماعية بعض الشعارات الدينية، سواء كانت إسلامية من آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو غير إسلامية.
فالدين إذا عند هؤلاء هو أحد العوامل التي تستخدم لتحقيق الهدف الدنيوي، لا أن الدين بنفسه هو الهدف، وهو شبيه برفع الدولة السعودية شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله، ورفع صدام البعثي شعار"الله أكبر"، وغيرها من الأمثلة، فالدين عندهم وسيلة لا غاية لتحقيق العبودية لرب العباد التي هي غاية الغايات بالنسبة للمسلم الصادق، ولذلك مصلحة الدين تقدم على أي