الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليًّا ولا نصيرًا.
إن هؤلاء القوم لا يقيمون للفضائل شأنًا ولا لدين الله رأسًا، همّهم بطونهم، وشُغلهم أهواءهم، ودليل ذلك أنه لو دخَلت جيوشُ الأحزاب عليهم في المدينة، ثم طلبت منهم الجيوش أن يُشركوا بالله تعالى ما احتبسوا، ولا تلكّؤوا، بل لأقبلوا على الكفر بالله طيّبة بالشرك قلوبهم، فهم يدورون مع من مُلك المنصب والمال، ويراقبون حَركته، حتى يبرمجوا أنفسهم على اتّجاهه، ليس لهم اختيار إلاّ اختيارُ الحاكم، إن أسلم الحاكمُ أسلَمنا، وإن كفَر الحاكمُ كفَرْنا، ولا يُقبِلون على الإسلام إلا بالوعود الممتلئةِ ذهبًا وكنوزًا، ومناصبَ وتشريفاتٍ، ولهذا قالوا قولتهم: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} ، فهم اعتنقوا الإسلام لوعوده الدنيوية، أليس هذا يعلِّمنا أن لا نفرش الورود والرياحين للناس في دعوتهم للإسلام؟ ثم أليس هذا خطأ تلك الجماعات التي قالت للناس: انتخبونا، وسنطعمكم السَّمن والعسل، وسنبني لكم المساكن الفاخرة، وسنسهّل لكم معايشكم وحَيَاتكم، فلمّا أصابهم بعضُ اللأواء، فإذا هم أمام شاشاتِ التّلفزيون يتبرَّأون من الإسلام وأهله، ويتساقطون على الطّرِيق الواحد تلو الآخر، ألا ما أتعسَ العبد الذي يُريد أن يشتري بإسلامه منصبًا وجاهًا، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد من حرص الرّجل على المال والشّرف لدينه ) ).
يا قوم! أين عهودكم؟ أين بيعتكم مع الله؟ ألم تقسموا من قبل أن لا تولّوا يوم الزحف، بل تثبتوا ثبات الصادقين؟!.
اعلموا أنّ الجهاد لا يقرِّب أجلًا، فلو كنتم في بيوتكم لبرز الموت إليكم، ففرارُكم لن ينفعَكم، ومتاعُ الدّنيا قليلٌ زائل، والذين يظنّون أنّه بالجهاد قد توحّش الخصم، أو ازدادت شروره، وكثْرةُ قتْله للموحّدين والضّعفاء هو جدّ واهم، لأنّه سواء حملتم السّلاح وقاتلتم على دينكم وأعراضكم، أو أنّكم تركتم السلاح وأعلنتم صباح مساء أنّكم ضدَّ العُنف والقتال، فلن يغيّر هذا من الحقيقة شيئًا، وهذه الحقيقة تتجدّد كلّ يوم، فها هي جماعة الإخوان المسلمين تساقُ في مصر إلى السجون، وترمي بنفسها تحت أقدام الكفرةِ المرتدّين وترجو نظرةَ رِضى من قبل وزير الداخلية المصري أن يسمح لها بلقائه، لتشرح له حقيقتها، بل إنها لترجو منهم أن يسمح لوسيط بينهم أن يدخل عليه ويشرح له أنّ جماعة الإخوان جماعة سلميّة، لا تنتهج العنف، بل تتبرّأ منه صباح مساء، ونحن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإنّنا والله لنشعر بالخِزي من هذا الموقف، فهل وصلت المهانة والذّلة بهذه الجماعة إلى هذا الدّرك الأسفل؟، إنّه لشتّان بين موقف جماعات التّوحيد والجهاد وجماعة الإخوان المسلمين!! الدّكتور أيمن الظّواهري مع ضعفه وعجزه، يلقي الكلمات كالحمم وكأنّها طلقاتُ مِدفع محمرّ الجَوا نب نحو الرّئيس المرتدّ وحكومته، وتَحمِل كلماته الأمَل أنّ فتح مصر لا بدّ منه، وأنّه قريب، مع أنّ الجميع يعلم إلى أيّ درجة هو ضعيف عاجز، لكنّها آيات الله ما زالت تتجلّى في هذا العصر: {ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيمانًا وتسليمًا} ، نحسبه كذلك ولا نزكّي على الله أحدًا.
إنّ الرّجال مواقف، فانظر يا عبد الله أين موقفُك، وإنّ الإيمان ليستعلي بذاته حتّى لو كان حبيس السّجن، أو طريحَ الفراش، أو فقير الجَيب، أو مطاردَ الحال.