القلوب عن مكانها لشدّة خفقانها واضطرابها، فالعيون تتحرّك بحركة القلوب، إذ العين لم تعد ترى بوضوح وجلاء، والقلب لم يعد يفكّر بسلامة وثبات، وهذا كلّه بسبب شدّة الخوف، وهو خوف لم يسلم منه أحد، فقد حدّث حذيفة بخبر أصحاب رسول الله ? في هذا الشّأن شيئًا عجيبًا، قال فتىً من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبتموه؟. قال حذيفة: نعم يا ابن أخي. قال: كيف كنتم تصنعون؟. قال: والله لقد كنّا نجهد. أي نتعب بصحبته تعبًا شديدًا، وذلك أنّه -صلى الله عليه وسلم- كان صاحب همّة عالية، وعمل دءوب، ونفس لا تكلّ، وكان أصحابه -رضي الله عنه-م لمحبّتهم له يحاولون اللحاق به، والتّشبّه بفعاله، فكانت محاولاتهم هذه تصيبهم بالتّعب والجهد، وكذا القائد الحقيقيّ لا يرضى من رجاله الدّون، ولا يقبل في رعيّته إلاّ فعال الرّجال ووَثباتهم، وأمّا أولئك القوم الذين يصنعون من أتباعهم أبواقًا لهم، ومقلّدين لحضرتهم، فلن ينفعوهم شيئًا في يوم كريهةٍ وسدادِ ثغرٍ، ولقول حذيفة -رضي الله عنه- معنىً آخر، وهو أنّه كلّما وَضُح الحقّ وكان قويًّا جليًّا كلَّما كان الباطل كذلك جَلدًا واضحًا جليًّا، ولم يكن الحقّ جليًّا واضحًا قويًّا في يوم من الأيّام كما كان في عهد محمّد -صلى الله عليه وسلم-، وكذا كان الكفر في عهده سافرًا عن وجهه القبيح، فكان هذا يُلحق بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجهد والتّعب، فقال حذيفة:"يا ابن أخي والله لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (( من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة ) )، فما قام منا رجل، ثم صلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هونًا من الليل، ثمَّ التفت إلينا، فقال مثله، فسكت القوم، وما قام منّا رجل، ثم صلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هونًا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال: (( هل من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة ) )، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد".
{وتظنون بالله الظنونا} : فالمنافقون ظنّوا بربّهم شرًّا، وبالإسلام بهتانًا، إذ أنّهم قالوا: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا} ، يقولون:"يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله غرور"، وها هم اليوم يقولون: كيف لنا مع ضعفنا وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس أن نعيد دولة الإسلام؟ وكيف لنا ونحن لا نستطيع أن نعبد الله تعالى آمنين أن ينقلب حالنا إلى حالٍ تخشانا فيه قوى الكفر والشّرك في مشرق الأرض ومغاربها؟. لكنّنا نقول: إنّها الوعود الإلهية، إن أخطأَتْنا نحن فهي واقعة لا شك فيمن ثبت على الطريق، وواصل المسير، ولم تُضعفه الأيّام والشّهور، بل ازداد ثباتًا ويقينًا، وما شدة الصعوبات إلا دليلٌ على صواب الطريق، وإذا كان طريق الجهاد وهو طريق الدّم والخطفِ والسجن، فإنّه كذلك طريق العزّة والنّجاح، وإذا كانت الطّرُق الأخرى هي طرُق السّهولة والمناصب، فإن نهايتها الذلّة والخِزْيُ والشّنار. وطائفة منهم قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم على الإسلام فارجعوا، أو لا مقام لكم في القتال فهزيمَتكم محقّقة، فارجعوا إلى منازلكم، وبدأوا يستأذنون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهروب وترك المواجهة يقولون: {إن بيوتنا عورة} أي مكشوفةُ الجانب، لا نستطيع منعَ الدّاخل إليها، فكذّبهم الله تعالى قائلا: {وما هي بعورة إن يريدون إلاّ فرارًا} ، وهكذا النّفوس المريضة، والقلوب الخاوية من الإيمان، تبحث لها عن الحجج الواهيةِ الضعيفة لترك المواجهة، ولعل هؤلاء يبحثون عن الحجج الأصولية في إسقاط فريضة الجهاد تحت دعوى المصلحة الموهومةِ الزائفة، ولكنّ حقيقةَ الحال أنهم لا يريدون الجهاد، ويخشون نتائجه، قال تعالى: ولو دُخِلت عليهم من أقطارها ثمّ سُئِلوا الفِتْنة لأتَوها وما تلبّثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبلُ لا يولُّون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذًا لا تمتّعون إلا قليلا قل من ذا