فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 431

ولئن كان -صلى الله عليه وسلم- رد في حالات فردية بعض المجاهدين، لظروف عائلية لهم خاصة، كالذي جاء في الصحيح أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أجاهد. قال:"لك أبوان ?"قال: نعم. قال،"ففيهما جاهد". . لئن كان ذلك فإنما هي حالة فردية لا تنقض القاعدة العامة؛ وفرد واحد لا ينقض المجاهدين الكثيرين. ولعله -صلى الله عليه وسلم- على عادته في معرفة كل ظروف جنوده فردا فردا، كان يعلم من حال هذا الرجل وأبويه، ما جعله يوجهه هذا التوجيه. .

فلا يقولن أحد - بسبب ذلك - إنما كان الجهاد ملابسة طارئة بسبب ظروف. وقد تغيرت هذه الظروف!

وليس ذلك لأن الإسلام يجب أن يشهر سيفه ويمشي به في الطريق يقطع به الروؤس! ولكن لأن واقع حياة الناس وطبيعة طريق الدعوة تلزمه أن يمسك بهذا السيف ويأخذ حذره في كل حين!

إن الله - سبحانه - يعلم أن هذا أمر تكرهه الملوك! ويعلم أن لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه. لأنه طريق غير طريقهم، ومنهج غير منهجهم. ليس بالأمس فقط. ولكن اليوم وغدا. وفي كل أرض، وفي كل جيل!

وإن الله - سبحانه - يعلم أن الشر متبجح، ولا يمكن أن يكون منصفا. ولا يمكن أن يدع الخير ينمو - مهما يسلك هذا الخير من طرق سلمية موادعة! - فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر. ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل. ولا بد أن يجنح الشر: إلى العدوان؛ ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولة قتل الحق وخنقه بالقوة!

هذه جبلة! وليست ملابسة وقتية. . .

هذه فطرة! وليست حالة طارئة. . .

ومن ثم لا بد من الجهاد. . لابد منه في كل صورة. . ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير. ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع والشهود. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح. ولا بد من لقاء الباطل المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة. . وإلا كان الأمر انتحارا. أو كان هزلا لا يليق بالمؤمنين!

ولا بد من بذل الأموال والأنفس. كما طلب الله من المؤمنين. وكما اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. . فأما أن يقدر لهم الغلب؛ أو يقدر لهم الاستشهاد؛ فذلك شأنه - سبحانه - وذلك قدره المصحوب بحكمته. . أما هم فلهم إحدى الحسنيين عند ربهم. . والناس كلهم يموتون عندما يحين الأجل. . والشهداء وحدهمهم الذين يستشهدون. .

هناك نقط ارتكاز أصيلة في هذه العقيدة، وفي منهجها الواقعي، وفي خط سيرها المرسوم، وفي طبيعة هذا الخط وحتمياته الفطرية، التي لا علاقة لها بتغير الظروف.

وهذه النقط لا يجوز أن تتميع في حس المؤمنين - تحت أي ظرف من الظروف. ومن هذه النقط. . الجهاد. . الذي يتحدث عنه الله سبحانه هذا الحديث. . الجهاد في سبيل الله وحده. وتحت رايته وحدها. . وهذا هو الجهاد الذي يسمى من يقتلون فيه"شهداء"ويتلقاهم الملأ الأعلى بالتكريم. .

ونحن نتربص إحدى الحسنيين قال تعالى في سورة التوبة:

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (50) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت