المثل الأول هو التصوف: ثبت أن التصوف عندما دخل على المسلمين أعلنوا استنكارهم ورفضهم له، وأدركوا الصوفية على حقيقتها وأنها دين جديد، وبالتالي تعاملوا معهم على أنهم كفار، فأفتوا بقتلهم ردة وزندقة، لأن المذهب الجديد والنحلة الوافدة تظهر في بداية أمرها بصورتها الحقيقية وتعرض نفسها بوجهها السافر، والصوفية دون تقية هي مذهب ونحلة كفرية، عقيدتها وحدة الوجود (أي لا فارق بين الخالق والمخلوق) ، ولها رياضات (طريقة) لتحقيق هذه العقيدة تقوم على: السهر والجوع والخلوة، ولها بعض المنشطات الأخرى كالذكر مثلا، فبعد أن تواجه من قبل المسلمين بالرفض والتكفير، تبدأ المحاولات التالية على صورة تكييف المذهب والنحلة على وجه يوافق الإسلام، وذلك بعرض بعض الموافقات بين الإسلام والمذهب (كالصوفية مثلا) ، فالجنيد تستر بالفقه، وعملية تضخيم جوانب اللقاء هذه الرياضات الصوفية من خلال الأحاديث النبوية الصحيحة والضعيفة، فيبدأ الكلام عن الخلوة تحت باب الزهد، ويبدأ الكلام عن السهر تحت باب قيام الليل، والكلام عن الجوع تحت باب الصيام، وبالتالي تسلم الصوفية (حسب تعبيراتهم) أو يتصوف الإسلام، والجهل هو أرضية هذا الزرع والنتاج، وبالتقادم مع عاملي التكرار والزمن تستقر الصوفية داخل الإسلام وتصبح جزءا منه، وتصبح من واجبات المسلم الدينية أن يصبح صوفيا، والخارج عنها خارج عن الإسلام، فيصبح للصوفية فقه جديد، وكتب خاصة، وطرق ومشايخ ومؤسسات، ولم تعجز الصوفية من التقاط بعض الأذكياء إليها ليقوموا بالمهمات الصعبة وعلى رأسها صياغة الإسلام من خلال الدين الصوفي، كما قام بكثير من هذا العبء أبو حامد الغزالي كما في كتابه"إحياء علوم الدين"، حيث مزج الفقه والتوحيد والأخلاق الإسلامية بالتصوف حتى صار شيئا واحدا، والنتيجة الويل كل الويل لمن حاول أن يقول للناس الحقيقة، والشأن كل الشأن لمن يقول:
ومالك وسائر الأئمة ... كذا أبو القاسم هداة الأمة
فواجب تقليد حبر منهم ... كذا حكى القوم بلفظ يفهم (1)
فصار تقليد أبي القاسم واجبا من واجبات الدين.
المثل الثاني هو الفلسفة: والفلسفة صناعة بشرية عمادها نبذ الوحي، وهي وافد لها عقيدة خاصة ورياضة خاصة (أي دين مستقل) ، وقد عانت الفلسفة وإفرازاتها الفكرية الكثير عندما جاءت إلى الصف الإسلامي، وحكم العلماء الأفذاذ عليها بالكفر والزندقة، وكانوا يلاحقونها بسيف الشرع والإسلام، وقد قتل الكثير من رجالها بفتاوى أهل الدين والحق، لكنها تستكن حينا ثم تبرز على الطريقة التي شرحناها مع الصوفية، فتسلم الفلسفة أو يتفلسف الإسلام، وتصاغ الفلسفة بطريقة إسلامية، ويصبح علم الكلام، والذي يعد من أبرز إفرازاتها في المجتمع الإسلامي هو راية الإسلام، ورأسه، وعقيدته، حتى قيل: والعجب ممن يقول: ليس في القرآن علم الكلام، (2) وبالتالي تصبح الفلسفة مسلمة، أي تسلم الفلسفة، وينتهي الأمر إلى: أن الحكمة (أي الفلسفة) هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، فالأذية ممن ينسب إليها هي شر الأذية، مع ما يقع بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة، وهما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة. (3)
ولسنا الآن في معرض نقاش الآثار الشنيعة السيئة لهذا الاختراق، فإن شرح آثار الصوفية المجرمة على العقل المسلم وعلى المجتمع الإسلامي تحتاج إلى مجلدات، وكذا الفلسفة