حسن الترابى دعا أول ما دعا إلى تجديد أصول الفقه وخرج بنتائج مرعبة تطمس قواعد الشريعة وتلغي ثوابتها، وقال فيما قال: الإجماع عند الأصوليين هو اجتماع أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- على حكم شرعي .. وقال: الشرط الذي وضعه الأصوليون بأن الإجماع هو إجماع المجتهدين شرط باطل لأن الشريعة جعلت الطاعة لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولأولي الأمر، فأولي الأمر هم العلماء والحكام، ومحاولة جعل طبقة تسمى العلماء في المجتمع الإسلامي محاولة خبيثة (هكذا يقول) القصد منها تعطيل الأمة عن ممارسة حقها، ثم سلبهم بالتالي هذا الحق وإعطائه للعلماء، والعلماء قد قننوا هذا السلب في كتب الأصول (هكذا يفتري على الأئمة الأعلام) . قال: وهذا الإجماع عند بعض الأصوليين (وهو الصواب في رأيه) أقوى من الكتاب والسنة، أي الأمة لو اجتمعت على شيء وهو بخلاف ما علم من الكتاب والسنة فالصواب ما اجتمعت عليه الأمة للأثر (( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) ). ثم يقول: ولما كان صعبا وصعبا جدا معرفة آراء الناس جميعا، فالطريقة المقترحة لمعرفة هذا الإجماع هو أن يختار كل تجمع نائبا لهم ووكيلا يمثلهم، فإذا اتفق هؤلاء النواب والوكلاء على أمر فهو حكم الله تعالى، لأنه حكم الإجماع، أ ي البرلمان الإسلامي هو الذي يقرر لنا الإجماع، فلو قال لنا البرلمان المنتخب حكما من الأحكام فهو حكم الله المراد ولو كان يخالف الكتاب والسنة. ا. هـ.
أرأيتم هذا التجديد إلى أي شيء وصل؟!، لقد وصل إلى الكفر، نعم الكفر بالله حيث أجاز للناس أن يشرعوا على خلاف الكتاب والسنة صراحة، لقد حذر الإمام الشافعي من ترك الناس أصول العرب، أي أصول الفقه واتخاذهم المنطق دينا وسبيلا قال رحمه الله تعالى: ما جهل الناس، ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطوطاليس. ا. هـ. (1)
قد يقول قائل: أنت تفتري على حسن الترابي باتهامه تبديل الشريعة وتغييرها، فأقول لهذا القائل اقرأ معي هذا النص جيدا:"تراثنا الثقافي المتميز أيضا مما ينبغي أن نحفظ أصالته - وأن نبني عليه - تفاعلا مع الآخرين، وتجديدا له وتجاوزا له في بعض حين". (2)
نعم: وتجاوزا له في بعض حين، وهذا الحين غير مقيد، ولا ضابط له بكونه قليلا أو كثيرا، فما كان قليلا عند الآخرين هو كثير عند البعض الآخر.
ماذا تقول العلمانية المائعة؟:
محمد أركون هو أكثر هذه الزمرة أدبا، وهو يعلن في كل كلمة أنه لا يتجاوز الكتاب والسنة ولكنه يقدم آلية وملكة تعلمها من المعاهد الغربية، وبهذه الآلية سيجعل الفكر الإسلامي يخرج من قمقمه الصدئ ومن أرثوذكسيته - كما يقول - إلى رحاب العالمية.
شرح محمد أركون شيما عن مشروعه في كتابه"أين هو الفكر الإسلامي المعاصر" (ناشره دار الساقي) يقول في المقدمة الحزينة له حيث يشرح فيها نفسه: ولذا لم أزل منذ ما يزيد على ثلاثين سنة أدعو إلى إحياء الموقف الفكري الديناميكي المتفتح لهؤلاء المفكرين القدماء وألح في الوقت نفسه على ضرورة التخلي عن مبادئهم ومقدماتهم ومناهجهم وإشكالياتهم ونظرتهم إلى العالم والتاريخ والمجتمع والإنسان لأن ذلك كله داخل في الفضاء المعرفي الخاص بالقرون الوسطى عند المسلمين كما عند المسيحيين واليهود وسائر الثقافات المعروفة في العالم. انتهى من المقدمة، ومراده أن يصل إلى النتيحة التالية وهي: المعارف التي وصل إليها أسلافنا من قبل هي إسقاطات فكرية متخلفة كما هي في مناهجهم المتخلفة، وإذا أردنا أن نصل إلى معارف جديدة فلا بد أن نفهم هذه التعاليم من وجهة نظر تاريخية وليست مطلقة، وعلى هذا فإن الذين يحاولون أن يجبرونا على الفهم القديم (كما يزعم) هم في الحقيقة أرثوذكسية طارئة