فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 431

قال الشوكاني تعليقًا على هذا الحديث:

(( يجوز لمن لا طاقة له بالعدو أن يمتنع من الأسر وأن يستأسر ) ) (45) .

3 -ومنها ما ورد في قصة عمرو بن الجموح الذي (( كان رجلًا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ? المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله ? قد عذرك، فأتى رسول الله ? فقال: إن بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله ?: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد ) ) (46) .

وعن أبي قتادة قال: (( أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ? فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة -وكانت رجله عرجاء- فقال له رسول الله ?: نعم، فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ? فقال: كأني انظر إليه يمشي برجله هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد ) ) (47)

والشاهد من قصة عمرو بن الجموح أن الرسول ? أذن له في القتال مع كونه أعرج والأعرج معذور بنص القرآن الكريم فهو لا يجب عليه الجهاد، لكنه لما جاهد قبل منه فدل ذلك على أن القدرة شرط في الوجوب لا الصحة.

وإنما ذكرت هذين الدليلين الأخيرين -أي قصة عاصم بن ثابت وقصة عمرو بن الجموح- مع أنهما واردان في شأن الجهاد، لأن حكم الجهاد هنا يعم الأمر بالمعروف النهي عن المنكر إذ هما جنس واحد، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في الكافي أن (( العمري العابد سأل مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله ? وحكم بغيرها فقال مالك: الأمر في ذلك إلى الكثرة والقلة، وقال أبو عمر: جواب مالك هذا وإن كان في

جهاد غير المشركين، فإنه يشمل المشركين ويجمع الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر، كأنه يقول من علم أنه إذا بارز العدو قتلوه ولم ينل منهم شيئًا جاز له

الانصراف عنهم إلى فئة من المسلمين بما يحاوله فيه، وقول مالك هذا يشبه

عندي ما رواه سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: من فر من رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر (48) يعني في القتال قال سفيان فحدثت به ابن شبرمة فقال: هكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) (49) .

فقد ظهر من كلام أبي عمر بن عبد البر في توضيح المقصود من كلام مالك

وكذا من كلام ابن شبرمة الذي نقله سفيان بن عيينة أن حكم الجهاد هنا يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وتأمل قوله: (( جاز له الانصراف ... ) )فإنه لم يقل وجب عليه الانصراف مما

يدل على أن غاية ما في الأمر أنه يسقط عنه الوجوب بينما يبقى جواز التغيير،

لأن من جاز له الانصراف جاز له البقاء بل قد يستحب البقاء إذا كان في ذلك

مصلحة؛ ككسر جاه الفاسق برؤية أهل الحق وهم يندفعون غير مبالين بالأذى

وإن كان المنكر لا يزول بفعلهم.

4 -وما دام الأمر كذلك فإنه يصح لنا الاستدلال هنا بما ذكره العلماء من جواز اندفاع الرجل الواحد في صفوف الكفار وإن علم أنه يقتل، فمن ذلك ما ذكر الإمام الدمياطي حيث عقد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت