خمسٍ وعشرين ليلةٍ، جَهَدَهُم فيه الحصار جهدًا شديدًا، ففي صباح الخامس والعشرين، وبعد مداولات ومشاورات بين القرظيين، وبعد أن قذفَ الله في قلوبِهم الرُّعب قبِلوا أن ينزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتواثب الأوس، فقالوا:"يا رسول الله موالينا دون الخزرج، وقد فعلتَ في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت"، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فسأله إياهم عبد الله بن أبي ابن سلول فوجّههم له (أي أعتقهم) ، فلما كلَّمَه الأوس قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجلٌ منكم ) )، قالوا: بلى، قال: (( فذاك إلى سعد بن معاذ ) )، فأتاه قومه إلى الصُّفَّة التي كان يمرَّضُ بها بجانب المسجد النبوي، فحملوه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجعلوا يقولون له:"يا أبا عمرو (أي سعد) أحسن في مواليك، فإنّ رسول الله إنَّما ولاّك لتُحسن فيهم"، فلما أكثروا عليه قال:"قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم"، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعدٌ بن معاذ - -رضي الله عنه- - عن كلمته التي سمع منه، فلمّا انتهى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( قوموا إلى سيدكم ) )، فقاموا إليه، فقالوا يا أبا عمرو:"إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قد ولاّك مواليك لتحكم فيهم"، فوقف سعد بين اليهود والمسلمين، فنظر إلى اليهود وقال:"عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيما حكمت". قالوا: نعم، ثمّ قال وهو معرض عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إجلالًا له:"وعلى من ههنا"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( نعم ) )، قال سعد:"فإنّي أحكم فيهم بأن تقتّل الرِّجال، وتقسَّم الأموال، وتسبى الذّراري والنّساء"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسعد: (( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ) ). ثمَّ خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى سوقِ المدينة، فخندق بها خنادق، ثمّ جيء بالقرظيين، فضرَبَ أعناقهم، وكان عددهم بين السبعمائةٍ والثّمانمائة، وكان سيّاف النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- الزّبير، وإن غاب فعليّ -رضي الله عنه-م جميعًا، وقد كان الصّحابة -رضي الله عنه-م يفرّقون بين الرّجال والأ طفال بظهور اللحية والشّارب، وإلاّ بظهور العانة، فمن ظهر شاربه أو لحيتُه أو عانَته فهو رجلٌ يُقتل، وإلاّ فهو سبْي ومالٌ مغنوم. أمّا سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقد دعا بعد ذلك بقوله:"اللهمّ إنّك علمت أنّه لم يكن قومٌ أحبّ إليّ أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذّبُوا رسولَك. اللهمّ إن كنتَ أبقيْت من حرب قريشٍ على رسولكَ شيئًا فأبقني لها، وإن كنتَ قد قطعتَ الحربَ بينه وبينهم فاقبضني إليك"، فانفجر جرحه حتى أنهاه، فرحل إلى ربّه راضيًا مرضيًّا.
إنّ هذه الشّخصيّة الصّحابيّة العظيمة تُظهر لنا أركان الصّورة المحبوبة لله تعالى: {من المؤمنين رجالٌ صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه فمِنهم من قضى نحبه} ، وسعدٌ -رضي الله عنه- كان ممّن قضى نحبه.
صورةٌ مشرقةٌ بعطائها وقتَ المِحن والخطوب، تأتي إلى الموت وهي ترتجز:
لبث قليلًا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل
صورةٌ لرجلٍ لا تأخذهُ في الله لومةُ لائم، لا يعرفُ إلاّ محبّة اللهِ ومحبّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، وشائجُ القربى بينه وبين النّاسِ مقطوعةٌ إلاّ ما وصلها الله وأمر بوصلها، لم يُرِد -رضي الله عنه- أن يتشبّه برجلٍ منافقٍ، استغلَّ وجوده في الصّف المسلمِ لتمريرِ شبكةِ علاقاتٍ قائمةٍ على أصولٍ جاهليّةٍ فاسدة، أو يبني علاقةً على حساب الإسلامِ والمسلمين، وفي هذه الصورة المعروضةِ تظهر لنا أنّ الشّخصيّة الصّحابيّة قد بلغت من الرّقيِّ الفِكْري والنّفسيّ إلى درجةِ ما يحبُّ الله تعالى وما يرضيه قبل أن تسمع الخبر الإلهيّ، فالنّبيّ -صلى الله عليه وسلم- شهد لحُكمِه أنّه هو حكم الله تعالى، وقد كان -رضي الله عنه- في منطقةِ الاختيار الجائز للطّرفين، ولكنّه لمّا وصل إلى درجة القُرْب من