فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 431

الجواب نقول: ليس التكفير على إطلاقه أمر خطير ومذموم.

ولكن تكفير المسلم بمجرّد الهوى وبمحض العصبية دون دليل شرعي هو المذموم والخطير.

وليس كل الكفر مذموم كما أنه ليس كل الإيمان ممدوح.

فمن الإيمان ما هو واجب كالإيمان بالله ومنه ما هو محرّم وشرك كالإيمان بالطاغوت.

وكذلك الكفر منه ما هو واجب وممدوح كالكفر بالطاغوت ومنه ما هو مذموم كالكفر بالله وآياته ودينه.

وأيضًا كما أن تكفير المسلم دون دليل شرعي أمر خطير، فكذلك الحكم على المشرك أو الكافر بالإسلام وعصمة الدم وإدخاله بالتالي في الأخوة الإسلامية والموالاة الإيمانية أمر خطير وفساد كبير.

قال تعالى {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} .

أمّا الحديث المذكور فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا اللفظ أبدًا فليس كل من كفّر مسلمًا يكفر خصوصًا إذا كان ذلك المسلم قد أتى"بما سمّاه الله ورسوله كفرًا".

ومفهوم هذا اللفظ أن المسلم لا يكفر أبدًا وهذا منقوض بقوله تعالى عن أُناس كانوا يُظهرون الإسلام {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} وقوله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} ، وقوله عزّ وجلّ {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ونحوها من الآيات.

وإذا كان المسلم لا يكفر أو يرتدّ أبدًا فما فائدة أحكام المرتدّ التي دُوِّنت في كتب الفقه الإسلامي. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلّم"من بدّل دينه فاقتلوه".

وإنّما لفظ الحديث في صحيح مسلم"من قال لأخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه".

وقوله"فإن كان كذلك"دالٌّ على جواز التكفير للمسلم الذي يظهر فيه كفر وتنتفي في حقه موانع التكفير أي إنْ كان كذلك فلا حرج.

"وإلا حار عليه"أي: رجع عليه تكفيره إن لم يكن من كفره قد كفر.

ولذلك فإن من كفّر مسلمًا ظهر منه شيء من الكفر فإنه لا يكفر حتى وإن كان حكمه لم يوافق الصواب لقيام مانع من موانع التكفير لم يطّلع عليه بل إذا كان تكفيره له غضبًا لدين الله ومحارمه، فإنه مأجور على ذلك كما حصل مع الفاروق -رضي الله عنه- عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلّم"دعني أضرب عنق هذا المنافق"يعني بذلك (حاطِب) .

فمع أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم بيّن أنّ حاطب لم يكفر إلا أنّه لم يقل لعمر ـ لقد حار عليك الكفر لأنّك كفّرت مسلمًا واستحللت دمه ومن كفّر مسلمًا فقد كفر كما يزعم هؤلاء‍!!

وقد أشار ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في زاد المعاد إلى هذا المعنى عند ذكره الفوائد المستفادة من قصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة.

فعُلِم أنّ الذي يُذمّ، وهو على أمر خطير إنما هو من كفّر مسلمًا لمحض الهوى والعصبية والحزبية

ويجب أن يعرف الموحِّد لمزيد من الفائدة أنّ هذا الحديث مُؤوّل عند العلماء على وجوه عدّة أحدها: أنّه من وصف دين المسلمين والتوحيد بأنه كفر فقد كفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت