فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 431

عندهم جدا، وعرفوا منزلته في هذا الشأن". وهي قصة لا تصح، ونبه إلى عدم صحتها الإمام الذهبي رحمه الله تعالى."

وكذلك من مبالغات أهل الحديث في رجالهم قولهم عن الرجل: (كل حديث لا يعرفه فلان فليس بحديث) . وهذه العبارة كثر ترديدها في مدح بعض المحدثين، وهذا لا يقع أبدا، فإن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى نبه في كتابه العظيم"الرسالة"إلى خطأ هذا القول، وقال ص 139:"والعلم به (أي لسان العرب) عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه ... لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء".

وصار نموذج المحدث المتفرغ للحديث هو النموذج المقتدى، فهو رحال لا تشغله شاغلة، وليس له من هم إلا الرواية وجمع الأسانيد، فهذا الإمام أبو بكر (الخطيب البغدادى) عليه رحمة الله تعالى، كان حريصا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه. (2)

وهو نهم مشروع بل محبوب عند الله تعالى، ولولا هذه الهمة العالية ما وصل إلينا دين الله تعالى، ولكن السؤال: هل أبو بكر الخطيب البغدادي هو نموذج المسلم في كل زمان؟ وهل إذا وقعت بالمسلمين المصائب والرزايا ووجب على المسلمين جميعهم واجب، لم يكن لهم أن يخرجوا عن مثال الخطيب رحمه الله تعالى؟.

وهل علينا أن نصنع كما صنع أبو حامد الغزالي وقت الحروب الصليبية، عندما اعتزل في بيت المقدس السنين الطوال وهو متفرغ لذكر اسم الله المفرد للوصول إلى لحظة العرفان والجذبه، والمسلمون يذوقون أقصى البلايا على يد الصليبيين الكفرة؟!.

وكذلك عندما يقرأ المرء هذه السير يستقر في ذهنه صورة مشوهة وقاصرة، ولا تكشف لك سير الحياة الصحيحة للبشر في حركتهم ومعيشتهم لأنها تقتصر في أخبارها على ما تريد من شخصية المترجم له، فالعابد لا تساق لك من أخباره إلا العبادة فلو سألت مثلا: كيف كان يأكل هذا الرجل؟ وهل تزوج؟ وهل كان يعاشر زوجته وأبناءه؟ وهل كان يتاجر؟ وهل ماكس في سعر بضاعته؟ وهل خاصم أحدا؟ وهي أمور لا يمكن أن تخلو منهما بشرية إنسان كائنا من كان، وهي لا تذكر في سير هؤلاء الأئمة لأنها ليست بشيء، ولا قيمة لذكرها. ولكننا لو عدنا إلى النموذج الأول وهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإلى التراجم الحقيقية لهم وليست تراجم المتأخرين التي غلب عليها المبالغة والتهويل، لرأينا الصورة الحقيقية لحركة الإنسان، وهي الصورة الحقيقية لمثال الإسلام الصحيح.

وقد سيقت أخبارهم - -رضي الله عنه-م - وأخبار إمامهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ما فيها من بشرية حقيقية، ومثالا جامعا لأنها دين، وهي تشريع لكل زمان ومكان، فحينئذ لا ترى التهويلات التي لا مكان لها في حياة البشر، فليس هناك الصحابي الذي لا يضحك أبدا، وليس هناك الصحابي الذي لا يخاصم أحدا أبدا، وليس هناك الصحابي المعتزل حياة الناس وحركتهم، وليس هناك (مدينة الموت) التي لا يوجد فيها صخب الأسواق وخصومة الباعة ومنازعة الحقوق، بل ترى الحياة بكل صخبها وكل حركتها، وترى بشرية الإنسان بما فيها من نوازع ورغبات وشهوات. فلو قرأت صحيح الإمام البخاري وصحيح مسلم لرأيت الحياة الحقيقية والنموذج الحقيقي الواضح للإنسان النموذجي، وللإسلام عندما يطبق.

حينها ترى عبادة العباد بصورة صحيحة وترى جهاد المجاهدين بصورة صحيحة، فأنت حين ترى المسجد وما فيه من عبادة الصحابة، ترى فيها بشرا يضحكون ويتسامرون ويختصمون، بل ويتضاربون بالنعال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت