الدين، وأنه ستبقى طوائف من أهل الحق وفية له، لا تعني أبدا إلا البشارة بذلك، وأما أمر الاقتداء بالهدي واتباع النموذج القدوة فليست لأي مرتبة من مراتب هذه الأمة إلا للمرتبة الأولى والجيل الأول، ودوام النظر إلى ذلك النموذج الصادق الصالح يمنع من الوقوع والعثار، وهو يمنع من الزلل، وما تلك الصور الحادثة وإن كانت رفيعة عالية إلا صور قاصرة لا تمثل الصورة بتمامها وحقيقتها، ولعل من أسباب هذا العثار عدم اجتماع الخير في جيل كما اجتمع في الجيل الأول، وها أنذا أضرب لكم الأمثلة ليتضح البيان:
درج بعض أهل العلم الأوائل على تأليف كتب تجمع في طياتها سير أئمة أعلام، فبعضها جعل الخيط الجامع لهؤلاء هو الصلاح والتقوى، وبعضهم جعل الخيط: هو الجهاد والشجاعة والقتال، وبعضهم جعله الفقه والرأي، وبعضهم جعله الحديث والرواية، وهكذا تنوعت التقاسيم في هذه السير في عرض النماذج القدوة في العصور المتأخرة. وكان بعض (الرواة) يبالغ في ذكر صفات هؤلاء الأعلام حتى يخرج بهم عن حد الاعتدال البشري، فلو قرأ المتأخر في كتب طبقات الأصفياء والأولياء. كما في كتاب الإمام أبي نعيم الأصفهاني:"حلية الأولياء وطبقات الأصفياء". نموذجا من هؤلاء الأولياء لرأى فيها العجب العجاب، فهذا ولي من الأولياء إذا دخل بيته فذكر الله تعالى سبحت معه جدران بيته، وآنية المطبخ في بيته، وسبح معه فراشه حتى يسمعها كل من حضر، وهذا ولي آخر يرى بأم عينيه ذنوبه وهي تتساقط مع قطر ماء الوضوء، وهذا ولي آخر يتورع عن أكل ما حضر في السوق، ويرفض أن يشتري منه ويأبى الأكل إلا من القفار والخلاء، وهذا ولي لم يتزوج، وآخر لا ينام، وولي لا يضحك، وغيره لا ينظر إلى السماء وغيرها من الصور الحادثة التي لا تعبر أبدا عن حقيقة هذا الذين ولا عن واقعه الصحيح، وقارئ هذه النماذج يصاب بخيالات وأوهام تستقر في ذهنه عن النموذج (الولي) مما يجعله: إما دائم السعي للوصول إلى هذه المراتب، ولن يصل، وإما في يأس من بلوغ هذه المرتبة، والنتيجة هي القعود وترك العمل.
وطامة أخرى يصاب بها المتأخر: وهي أن كثيرا من هذه النماذج (من طبقات الأولياء) يراها ممدوحة معظمة في جانب الولاية والصلاح في كتب بعضهم، فإذا اطلع على كتب أخرى. ناقدة ممحصة. رأى فيها أخبارا تزري هذا الولي، وتقذفه بأشد أنواع الحماقات والغفلة، فلو قرأنا مثلا عن أبي يزيد البسطامي (طيفور بن عيسى) فهو الولي في باب الولاية حتى أنه يسمى بسلطان العارفين، وهو يجاهد نفسه على الدوام حتى أنه قال عملت في المجاهدة ثلاثين سنة. الحلية (10/ 36) . ثم في موطن آخر تقرأ عنه أنه من زنادقة الصوفية فهو يقول: سبحاني"، و"ما في الجبة إلا الله"، ما النار؟! لأستندن إليها غدا وأقول اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتها، ما الجنة؟! لعبة صبيان، ومراد أهل الدنيا. ما المحدثون؟! إن خاطبهم رجل عن رجل فقد خاطبنا القلب عن الرب. ا. هـ. ميزان الاعتدال للذهبي (2/ 246) ، فهذا كلام زنديق لا كلام عارف ولا ولي."
وهكذا على هذا المنوال جرى كل قوم في مدح رجالهم وتعظيمهم، فأهل الحديث والرواة يبالغون في تعظيم أئمتهم فيسوقون عنهم الأخبار التي لا تعقل، مثلما ذكر بعضهم عن الإمام البخاري رحمهم الله تعالى في قصة قلب الأحاديث عليه في بغداد. قال الخطيب البغدادي:"فإنهم اجتمعوا (أهل الحديث في بغداد) وعمدوا إلى مائة حديث. فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن لآخر ودفعوها إلى عشرة أنفس. تقول الرواية: فلما قرأها رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ولم يرج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه، فعظم"