وهذا الفارق الذي ذكرناه يعود إلى قضيّة رئيسيّة، بل هي أمّ القضايا في دين الله تعالى، هذه القضية هي فهم المرء للتوحيد، وفهمه لمنهج السّلف في الإيمان، فإن معرفة المرء للتوحيد وتبيينه له بشكل واضح جليّ يمنعه من الانزلاق في متاهات الجاهلية المظلمة، ويردعه من التنازل عن حق الله تعالى، فإنه يجوز للمرء أن يتنازل عن حقِّه، وهذا من باب الفضل، ولكن لا يجوز أن يتنازل عن حقّ الله تعالى، فالجماعة الموحدة المجاهدة تعفو عمّن ظلمها من المسلمين، وتتجاوز عن حقوقها، ولا توالي على أساس قرب الناس منها، ولا تعادي على أساس بعد الناس عنها، بل هي توالي النّاس على أساس محبّتهم لله، ومحبّة الله لهم، وتعادي على قواعد الملّة المحمّدية في البراء من أعداء الله تعالى، وهذا الأمر من أ شدّ الأمور وضوحًا في دين الله تعالى، وعند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخروج على الحاكم إذا ظلم رعيته: (( أطع أميرك وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ) )، فحقُّ الإنسان المسلم يتنازل عنه مقابل مقاصد الوحدة وجمع الشمل، ودرءً للفرقة وذهاب الريح، وقد أوجبت الشريعة الخروج على الحاكم إذا كفر بالله (( إلا أن تروا كفرًا بواحًا ) ).
هذا هو دين الله تعالى، فعلّة القتال فيه عدم إيمان المشركين بالله، واجتماعهم بقوّة وشوكة على هذا الأمر {قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يَدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} .
بهذا الأمر الجليِّ الواضح تكتَشِف الفارق، وهو أهمّ هذه الفوارق، بين جهاد الموحد السلفي وبين المبتدع الوصولي.
وهذا الأمر - وهو عدم تبيّن الناس لحقيقة الجماعات المقاتلة - يُحسَم من خلال إعلان جماعات الجهاد السلفيّ براءتها من جماعات البِدعة، ويوجب عليها أن تؤَصِّل نظرتها من خلال الرّؤى السلفيّة لواقع الجماعة البِدعيّة، وعليها أن تعلن ذلك ولا تُخفيه، وليس هناك من مصالح شرعيّة تمنع إعلان الفارق بيننا وبينهم.
بقي أمرٌ يتعلق بهذه النقطة، وهو وجود أقوام تسَربلوا بأثواب مُستعارة من السّلفية أو بشاراتٍ خادعةٍ لا حقيقة لها مثل أهل السنة والجماعة، وهؤلاء الأقوام قد يخفى أمرهم على المسلم العاديّ غير المتبصّر بحقّ هؤلاء المبتدعة، وبقليل من البحث ونور والبصيرة سيكتشف النّاس أنَّ عقول هؤلاء القوم ما زالت تعمل خارج الإطار السَّلفي، وأنها خرجت من البدعة مع بدعتها، ولكنَّ غلبةَ الأمّية على أمّتِنا منَعت الكثير من البشر من اكتشافهم.
حركة التجديد المجاهدة السلفيّة لا تتعامل مع النّاس إلاّ من خلال أصولهم وقواعدهم، وعلى ضوء هذه القواعد والأصول تحكم على المجتمعات، والتّنظيمات، وبالتالي على الأشخاص. والمنهج هو السّائق للإنسان في سلوكه وحركته، وهو الذي يحدد أحكامه وعقليّته، ومعرفة القواعد والأصول للموضوع - شخصًا أو فكرًا - لا تعرف من خلال فكرة أو خاطرة، بل لا بدّ من الاستقراء، وهو يقع من الخاصّ إلى العام، فيبدأ الإنسان الباحث في مراقبة المفردات ثمّ الارتفاع بها حتى تشكّل قاعدة كليّة تخضع لها مفردات المقدّمة وهي حركة الإنسان وأحكامه. فيتشكّل الحكم العام من خلال أفراد أحاديّة في الحكم والسّلوك، وبعد ثبوت القاعدة، وهو وصف الفكرة والشّخص، ثم لو طلب من الحاكم الدّليل فإنّه يسارع إلى إيجاد هذه القاعدة ليبسطها أمام السّائل بثقة ويقين.
وعلى ضوء هذه المقدّمة فإن الشّعارات الكاذبة، والألقاب النّابتة، تفقد قيمتها عند أهل الوعي والإدراك، وأصحاب العلم والبصيرة، لكن تأثيرها يبقى على العوام والسوقة، وغمار البشر من