وهم في شدة من أمرهم، وضيق بدني ونفسي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرفع أعينهم وهممهم إلى غايات لا يحلم بها الإنسان في هذا الموطن، ولا يتفكر بها، فالموشك على الموت من الجوع لا يرجو أطايب الطعام ولا أجوده ولا أرفعه وأعلاه ولكنه يحلم بقطعة خبز، فهذا منتهى أمله وغاية مطلبه، ولكن المؤمن يتعامل مع الله تعالى، فهو مدعو ليرفع همته، ولذلك كان جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه -رضي الله عنه-م وهم في مكة وهم يشكون شدة العذاب فوق ما يحلمون ويرجون: (( والله لتسيرن الظعينة من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها ولكنكم تستعجلون ) )، ويقول لهم في موطن آخر: (( والله لتفتحن كسرى وقيصر ولتنفقن أموالهما في سبيل الله ) )، كما وقع من قوله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الخندق، فالصحابة -رضي الله عنه-م مشغولون بالحفاظ على أنفسهم لئلا تهلك وعلى أعراضهم لئلا تسبى وتنتهك ومع ذلك فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشرهم بفتح فارس كسرى وروم قيصر.
وهذا أمر فيه الامتحان للنفوس والعقول فإن من في دينه شك وريبة سيقول: {غر هؤلاء دينهم} ، لأنه حينئذ ينظر إلى قوته ويتعامل مع هذا الدين من خلال نفسه لا من خلال واضعه رب العزة والجلال، وأما المؤمن فهو الموقن بموعود الله تعالى ويرقبه أيقع عليه أم أن الشهادة ستكون أقرب إليه من الوعد الإلهي؟.
ثم هذا فيه هدف آخر وهو دفع المؤمن ليغير واقعه ويسعى لإصلاحه وتدمير الباطل فيه، فالمؤمن يحمل نفسية المهاجم دائما حتى وهو ضعيف عاجز، ولا يجتمع هوان نظرة المؤمن مع هوان واقعه، ولا يرضى لليأس أن يصيب قلبه ونفسه، بل هو مستعل بالإيمان دائما وأبدا في أي حال كان وعلى أي موطن من درجات الدنيا كان مستقره، فإذا علم أن مهمته لا تعدو الخروج من مأزقه والانفكاك من عذابه، بل مهمته تتجاوز ذلك بأن يهاجم الباطل، ويصارعه ويحاربه حتى وهو صريع ضعيف، فبهذا يكون حاملا دائما نفسية المسلم العزيز بربه والواثق بنصر الله تعالى وصواب دينه، انظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يسير داعيا إلى الله تعالى في مكة، فهو مستضعف معذب، وقريش تريه ألوان العذاب فهي تضع على ظهره فرث الجزور وهو ساجد في ظل الكعبة، ويبقى كذلك حتى تأتيه فاطمة -رضي الله عنه-ا فتزيل عنه القاذورات وقريش تضحك بملء فيها، ومع ذلك كله فهو يوزع عليهم النذر، ويبشر بالعذاب، ويعدد عليهم ماذا سيصنع بهم، فهو الذي قال لهم يوما وقد أساءوا الإجابة له إساءة بالغة: (( لقد جئتكم بالذبح ) )، فيرد أبو الحكم مرتعدا على هذه النذارة: يا محمد ما كنت جهولا قبل اليوم، فيجيبه رسول الله صلى الله عل يه وسلم: (( بل أنت الجهول ) )، ومن يومها فأبو الحكم هو أبو جهل، وهو الذي قال لرجل من قريش وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يمرن مهرا من خيوله، فيقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: على هذا سأقتلك يا محمد، فيجيبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( بل أنا قاتلك إن شاء الله ) )، فيكون هو الرجل الوحيد الذي يقتله الرسول -صلى الله عليه وسلم- بيده الشريفة رحمة منه لأنه القائل: (( أشد الناس عذابا من قتل نبيا أو قتله نبي ) ).
ولهذا الأمر هدف آخر وهو هدف تربوي وهو أن المؤمن الصالح لا يضع خططا قصيرة الأمد، ولا يقصر نظره على ما هو أمامه فهو لا يتعامل مع الخطوة التالية فقط، ولكن يضع خططه لآلاف الخطوات القادمة، فهمّ الخطوة الأولى كيف يخرج من واقعه، ولكن الخطوة التالية هي كيف يغير واقعه، وبعدها كيف ينتقل إلى غيرها، فهو ممتلئ النفس بالمهمات العظمى ولا يقف عند حد، ولا ينتهي عند نقطة قاصرة بل ينتقل من عمل إلى عمل، ومن خطوة إلى خطوة، وكلها في ذات الإله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} فحيث انتهى من مهمة نصب نفسه في مهمة أخرى.