الأول: أنهم رفضوا اتباع الحق بسبب أن أهل الضعف والفقر والمسكنة قد سبقوهم إليه، فأنفت نفوسهم الخبيثة أن يساووا بينها وبين أولئك القوم الذين أكرمهم الله تعالى بنور الإيمان وبرد اليقين، فرفضوا الإيمان وتنكبوا عنه، وقد صدر منهم ما يدل على كبرهم هذا، وذلك أنهم طلبوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل لهم يوما خاصا، أو مجلسا منفردا يحدثهم فيه عن الإسلام والإيمان، فلما هم ومال لهذا القول طمعا في هدايتهم قال الله تعالى له: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ، وهكذا سلب الله من الناس القدرة على أن يجعلوا للحق قيمة من عند أنفسهم، بل الحق قوته تكمن في نفسه لأنه من الله تعالى {وقل الحق من ربكم} فالحق لا تزداد قوته بإقبالكم، ولا تضعف قوته بإدباركم، الحق تكمن القوة فيه بسبب أنه من الله تعالى، وأنتم الذين تنتفعون به وليس هو الذي ينتفع بكم.
الثاني: أنهم استكثروا على أنفسهم أن يفهموا الحقيقة على صورتها الأولى دون تأويل يبطل حقيقته، فراحوا يشتمون الفهم الأول والذي يعيه الناس جميعا بحجة أنه فهم ساذج، وطريقة لا تليق بعقولهم العظيمة كما يزعمون، فلما انشغلوا بالتأويل المتعمق والتقعر الفاسد فاتهم نور الإيمان الذي لا يستقر في القلب ولا يشعر به إلا بعد الإقرار والتصديق، وحينئذ بدأ الشيطان يأخذهم إلى شبهات العقول فأفسد عليهم عقولهم.
فالمعنى الأول يدخل فيه أهل المناصب والأموال ممن يأنفون عن الحق بسبب اتباع عوام الناس له فهم أهل الشهوة، والمعنى الثاني يدخل فيه أهل السفسطة ودعاة التعمق والتفكر فهم أهل الشبهة، وهم داخلون في التقرير الأول: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} .
هكذا هي القضية: قضية أقوام أعيتهم الأعمال، وأرهقهم الاتباع، فراحوا يزعمون العلو في الدنيا مادة ومعنى، ولكن ليتذكر أولئك أن عامة أهل الجنة هم الفقراء.
وليتذكر أولئك أن عقول غيرهم أكبر من عقولهم، ولكن لا يصنع التاريخ إلا العاملون، فاللهم اجعلنا منهم.
كم هو عظيم هذا الإسلام، وكم هو يحتاج لرجال عظماء يرفعون شأنه في هذه الدنيا!.
حينما يستقر في نفس رجل مؤمن أن عليه أن يبذل نفسه وروحه في سبيل هذا الدين، فإن عليه واجب النظر الصحيح والتفكير الصائب أن سنن الله تعالى لا تحابي أحدا ولا تختلف بسبب نفسيته الجميلة {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} فالسنن الإلهية حاكمة على البشر جميعا مؤمنهم وكافرهم وما أعظم ابن تيمية رحمه الله تعالى حين قال:"إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة ويديمها ويهزم الدولة المسلمة الظالمة ويزيلها"، وهذا من تمام فقه الرجل، فإن العدل هو قوام الملك، وبهذا نعلم أن السنن ستعمل عملها بإجراء الله تعالى لها رغم أنف البشر جميعا قال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} فالمسلم يألم ويقع عليه ما يقع على الناس من جريان السنن الإلهية ولا تتخلف عنه بحجة أن نيته طيبة ومقصده حسن وغايته جليلة، وهذا داخل في شروط العمل الصالح (أي متابعة السنة وعدم معارضتها) فإن من شروط العمل الصالح أن يكون موافقا لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- التشريعية، وما السنن التشريعية إلا موافقة للسنن الإلهية الكونية، فما من سنة أتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وهي تعالج سنن هذه الحياة وتحقق للمرء إرادته الصالحة ونيته