فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 431

الغزالي خير دليل على ذلك، وخاصّة كتابه"السنّة النّبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث"، فقد رأينا هذا الأزهري يشرح لقرّائه عجزه عن تقديم الحكم الشّرعي المستمدّ من قول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم-: (( لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ) ).

فهو يقول: كيف نستطيع أن نقدّم الإسلام ومنه هذا الحديث لأهل بريطانيا مثلًا وقد استطاعوا أن يحقّقوا بعض مطامحهم، برئاسة"مارجريت تاتشر"؟!.

فالنّتيجة عند هذا الشّيخ وأمثاله هي أن نضع أيدينا على هذا الحديث خجلًا منه (كما فعلت يهود بآيات الرّجم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) وذلك من أجل أصحاب العيون الزرق من الإنجليز وغيرهم.

إن هذه الانهزامية في تقديم الإسلام الحقّ كما أراده الله لنا، سبب رئيسي تدفع هؤلاء القوم إلى الإعراض عن بعض النّصوص النّبوية، ودفع النّصوص له طرق كثيرة عند هؤلاء الآرائيين.

4 -عظم التكاليف الشّرعيّة، وكونها فتنة للنّاس، وعدم تحمل المرء على ترك عوائده، فرغباته النّفسية تدفعه إلى البحث عن المخرج من هذه التّكاليف.

ومن أمثلته تلك الصّورة المعروضة للجهاد من أجل تحقيق الحقّ الإلهيّ في الأرض، وما فيه من سوء للنّفوس المريضة، وما فيه من امتحان وفتنة للنّاس، فلو عرض لهذه النّفس مخرج آخر مع توهّمه أنّ فيه تحقيقًا لرغبات النّفس وأهوائها فإنّها تطير إلى هذا البديل الرّغيد.

اعلم أنّ هناك التفافًا يحصل من هؤلاء الآرائيين حول كثير من حقائق أهل العلم المتقدّمين، ومن أهمّ هذه الحقائق التي يتمّ الالتفاف حولها في هذا الزّمان الحقيقة التّالية:

من المعلوم أن إصدار حكم شرعي ما لواقعة ما، لا ينبغي أن يتمّ إلاّ باستكمال شروط وأدوات علمية تؤهل المرء لخوض مثل هذا المعترك، وهذه الشّروط التي اصطلح سلفنا الصالح على تسميتها: بشروط الاجتهاد، ومع أنّ عصور الانحطاط المتأخّرة قد أفرزت بعض الأقوال الهزيلة في موضوع الاجتهاد، مثل قول بعض أهل العلم: بإغلاق باب الاجتهاد، وأنّه لا يجوز بعد القرن الرّابع لأحدٍ أن يقول قولًا من اجتهاده، بل لا بدّ أن ينسب نفسه إلى إمام سابق، كأن يقول عن نفسه أنّه حنفيّ أو شافعيّ أو مالكي أو حنبليّ ومن أجل هذه البدعة المبيرة صار بعضهم يشدد في شروط الاجتهاد، ويضع عوائق في طريق أهل العلم ليمنعهم من إطلاق قدراتهم لتحصيل الحكم الشّرعيّ من مظانّه، ولأن كلّ فعل يؤدي إلى فعل مضادٍّ يعاكسه، فإنّ النتيجة القدرية لهذا القول الخاطئ هو ما حصل في بداية هذا القرن، وذلك عندما انطلق النّاس يبحثون في أنفسهم عن سبب انحطاطهم وتأخّرهم وهزيمتهم أمام أعدائهم، فكان ممّا اكتشفوه مبكّرا هذا الموضوع، فسارع النّاس بالنداء لتحرير العقل المسلم من أغلال التخلّف - ومنها إغلاق باب الاجتهاد - فتعالت الصّيحات في كلّ مكان تدعو إلى فتح هذا الباب، والولوج فيه بقوّة، وبدأ النّاس يمارسون اختيار الأحكام الشّرعية بأنفسهم من مصادرها، وحاول فريق آخر أن يحافظ على مكتسبات عصر الانحطاط وذلك بأن يمنع هذا الحادث الجديد، تحت دعوى أنّ اللامذهبية قنطرة إلى اللادينية، لأنهم رأوا أنّ الدّعوة إلى فتح باب الاجتهاد قد وافقت زمن انفلات النّاس من أحكام الشّريعة، وانتشار الإباحية الفكرية وهي التي تسمّى عند أئمّتنا القدماء بالزّندقة، وكذلك الإباحيّة السّلوكية مثل دعوات تحرّر المرأة، وميوعة الشّباب وتحرّرهم من أحكام الشّريعة.

ولكنّ هذه المواقف المضادّة من (المحافظين) كانت الأضعف صوتا ودليلًا ولم تفلح شيئًا أمام السّيل الهادر المنطلق من عقاله نحو الانفلات من التّقليد والمذهبيّة. ووجد بعض النّاس رغباتهم متحققة في هذه الدّعوة، فاستغلّوها بإخراجها عن طريقها الصّحيح وأخذوا بها إلى آفاق ومواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت