أما طريقة طلاّب الحق وأهل العلم الراسخين فيه، فهي أن يردّوا المتشابه الذي يشكل عليهم إلى المحكم الذي هو أصل الكتاب وأمّه الذي عليه مدار التأويل وإليه يُردّ الخلاف.
وقد بيّن الشاطبي في الإعتصام أن هذه القاعدة ليست خاصة في الكتاب الكريم وحده، بل هي مطردة في السنّة النبوية والسيرة المحمدية.
حيث أنّ هناك أحاديث وحوادث أعيان قيلت أو حصلت في مناسبات معينة إذا أُخذت وحدها دون مبيِّناتها كان ذلك من قبيل اتِّباع المتشابه وترك المحكم.
وكذلك أخذ العام دون مخصّصه أو المطلق دون مقيّده، أو التشبُّث بنص من بين طائفة من النصوص جميعها يتناول قضية واحدة وإهمال غيره مما هو مرتبط به ذلك كله من اتباع المتشابه وترك المحكم وهو من التقوّل على الله بغير علم وتقويل الشرع ما لم يقل به.
إذ لا بد من الإيمان بكلام الله ورسوله جميعًا وأخذه كله والدخول في السلم كافة.
أما تتبّع ما يوافق الهوى فهي طريقة أهل الزيغ والضلال وهو سبب ضلال أكثر أهل الضلالة.
فالخوارج ضلّوا لما أهملوا نصوص الوعد وركّزوا على نصوص الوعيد فأخذوا قوله تعالى {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} وهو نص عامّ يكون من المتشابه إن لم يُردّ إلى مقيّده ومبيّنه الذي أهملوه وهو قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} .
وكذلك المرجئة تمسّكوا ببعض النصوص المتقدِّمة التي تبشِّر من قال لا إله إلا الله بالجنة فأرجأوا الأعمال وأهملوها واكتفوا في الحكم بالإسلام ودخول الجنة بالكلمة وحدها دون تحقيق مقتضياتها أو التزام لوازمها، وإن كان ذلك مستطاعًا مقدورًا عليه.
مع أن العلماء قد بيّنوا كما روى البخاري في صحيحه عن وهب بن منبّه أن"لا إله إلا الله مفتاح الجنة لكن لكل مفتاح أسنان فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح ومن جاء بمفتاح ليس له أسنان لم يفتح"وأسنانها هي تحقيق شروطها واجتناب نواقضها.
إذ لا يشك عاقل عارف بحقيقة دين الإسلام أن المراد من لا إله إلا الله هو معناها التي تتضمّنه من نفي وإثبات، أما أن يتلفّظ بها دون القصد إلى معناها أو دون تحقيق مقتضاها واجتناب نواقضها فهذا ليس هو مطلوب الله عزّ وجلّ.
ولذلك قال سبحانه {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلأ اللَّهُ} وقال سبحانه {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
والحديث المذكور"من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلا الله دخل الجنة"دليل أيضًا على أنّ معرفة معنى هذه الكلمة المتضمن للتوحيد والبراءة من التنديد وقصده في الشهادة شرط لتحقيقها ولنيل موعود الله عليها.
وقد بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب من مات على التوحيد دخل الجنّة) .
فالمطلوب هو تحقيق التوحيد الذي تحويه هذه الكلمة وليس مجرد التلفّظ بها دون اجتناب نواقضها والاستسلام لحقوقها.
كما في حديث معاذ المروي في الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوصاه وعلّمه أسلوب الدعوة لمّا بعثه إلى اليمن فقال:"فليكن أوّل ما تدعوهم إليه لا إله إلا الله"وفي رواية إلى أن يوحِّدوا الله"فدلّ ذلك على أنّ المراد حقيقة الكلمة ما تنفيه وما تثبته وليس فقط اللّفظ المجرّد من ذلك."
وقد بيّنا لك معنى التوحيد في الأوراق التي سبقت هذه والتي سمّيناها"هذان خصمان اختصموا في ربهم"وعرفت أنه معنى (لا إله إلا الله) و (العروة الوثقى) وأنّ له ركنين:
النفي والإثبات.