فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 431

فالمعتزلة يسمون أهل الحديث بالحشوية، وقصدهم من ذلك أن أهل الحديث لا يعملون عقولهم في النص، بل دورهم التقليد والاتباع وهو دور العوام وضعاف العقول من الناس. وسموهم كذلك غثاء وغثراء (أي سفلة الناس) . وكذا قلد المعتزلة المتكلمون من أشاعرة وماتريدية. أما هم فذهبوا يتقنعون بأردية الألقاب الرنانة كأهل العدل والتوحيد، وأهل الحكمة والنظر، وأبصر الناس بمقاصد الشريعة، ومآلات الأمور.

أما تفاوتهم الذي تكلمنا عنه فهو واقع ولا شك في عصرنا هذا، ولكنهم كلهم مجمعون على تحطيم الذهنية الفقهية في التعامل مع الأمور، ويأنفون من الأبحاث الأصولية التي تنهج الطرق السلفية في البحث والنظر.

إن العقلية الفقهية هي التي تحمي المرء من الانزلاق في الأهواء الردية تحت دعوى حرية البحث وتجديد الخطاب الديني، أو تحت دعوى وجود اختلاف وجهات النظر الفكرية.

وقبل أن أضرب الأمثلة على هذه الطريقة الخبيثة فإن علينا أن نتذكر أن هؤلاء القوم يزعمون أن قيامهم بهذا المطلب - وهو تجديد الخطاب وبالتالي تجديد المضمون - إنما هو لحرصهم الشديد على إعطاء الإسلام قوة وآلية جديدة لتستطيع الوقوف أمام المد التغريبي العاتي. لقد سمح المبتدعة الأوائل لأنفسهم هذا الابتداع وهذا التطور المزعوم تحت دعوى موافقة الشريعة للحكمة اليونانية، حتى لا ينشأ في عقول العوام اهتزاز من صلاحية الشريعة وصواب مقولاتها.

التفاوت يمتد من العلمانية المائعة (وهو اصطلاح يطلقه العلمانيون الملحدون والذين يرفضون التبرير للعلمانية من خلال مرجعية مقدسة مثل القرآن والسنة، وإنما مرجعية العلمانية عندهم هو الإنسان مستقلا، والمقصود عندهم بالعلمانية المائعة الذين يبررون للعلمانية ويحتجون لها بالكتاب والسنة والتراث) وهذا الأساس يدخل في قيده كم طائل من المثقفين والمفكرين (كما يحلو للناس أن يسموهم) وعلى رأسهم:

1 -حسن حنفي: ومشروعه التراث والتجديد، وانظر كتابه"من العقيدة إلى الثورة".

2 -محمد عابد الجابري: ومشروعه نقد العقل العربي ويقصد العقل الإسلامي.

3 -محمد أركون: ومشروعه نقد العقل الإسلامي.

وغيرهم الكثير.

قلنا إن التفاوت كذلك يمتد من العلمانية (المائعة!) إلى الآرائية من مفكري الإسلام وبعض فقهائه المتميعين أمثال:

1 -راشد الغنوشي.

2 -حسن الترابي.

3 -محمد الغزالي وغيرهم الكثير.

بل يصل هذا الأثر إلى بعض المنتسبين إلى مسميات السلفية والجهادية وغيرها، فقد نشأ في هذه المسميات من يقدح ويستهزئ بالعقلية الفقهية، والمنهجية السلفية في البحث العلمي والتحليل.

وقد يكون من المشاريع الهامة جدا في هذا الظرف نصب المجانيق وتجهيز الجيوش لغزو هؤلاء المبتدعة ودك حصونهم، وكشف مآلات أفكارهم وضلالها، من أجل إعادتها إلى جحورها مهزومة خاسئة كما فعل أسلافنا.

صحيح أن هؤلاء فقدوا أسباب النصر ومن أهمها عدم توفيقهم لخطاب الفطرة كما هي طريقة القرآن الكريم والسنة النبوية والسلف الصالح فبقي خطابهم نخبويا أكاديميا لا ينزل إلى مستوى حركة الشعوب والتأثير على الإنسان إلا أن خطورته تكمن في آثاره التي ستبقى عالقة في أذهان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت