فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 431

التّجمّعات (حتى التّجمّع من أجل صلاة الجماعة) ، فيسارع هؤلاء إلى تضخيم الحدث، وتسويقه بين النّاس، وإشاعته عن المجاهدين حتّى ينفر النّاس منهم، وليدلّلوا بهذا الحدث أو الحوادث على صواب رأيهم أن الأمّة لم تبلغ بعدُ المرحلة الّتي ينبغي أن تجاهد عندها.

والجواب على هذه التّصوّرات الّتي يقع بها هؤلاء من وجوه، أهمّها:

أولًا: من المعلوم في علوم أهل السنّة أنه قد يجمع الرّجل الواحد إيمانًا وضلالًا، صلاحًا وفسادًا في آن واحد، لأنّ الإيمان عندنا يتجزّأ، وعلى هذا فقد يجتمع في الرّجل المسلم المجاهد بعض الصّفات المذمومة، وهذا واقع في كلّ أطوار البشرية وفي كلّ تجمّعاتها. فما هو السّبيل الحقّ في معالجة هذه الحالة؟.

أهل الانحراف من أصحاب مفهوم التّربية العصريّة يطرحون الأسلوب التّالي: ينبغي على الشّخص أن يترك الجهاد (الخير) حتى يتخلّص من الشّر.

وعلى قاعدتهم هذه، فإنّ من جمع ضلالًا وصلاحًا فالواجب عليه أن يترك الصّلاح فيه حتى يذهب الباطل فيه؟!!، وهو قول يردّه العاقل حين تصوّره له.

وأمّا الحكم الشّرعي في هذه الواقعة: فهو تثبيت الحقّ لديه ودعمه وتجذيره، مع محاولة تقويمه وإرشاده بالإقلاع عن الباطل الذي لديه.

ثانيًا: لو أردنا أن نقتنص السيّئات في هذه التّجمعات التي تزعم التّربية المعاصرة أو نعدّه عليهم لملأت الكراريس والدّفاتر، وحينئذٍ فسيّئاتهم تكون مضاعفة لأنّهم يزعمون التّربية بخلاف غيرهم.

ثالثًا: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (( كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون ) )، وعصمة الأفراد والتجمّعات من الأخطاء لن تكون في هذه الدّنيا.

التّربية ليست مرحلة زمنيّة ثمّ تنتهي، بل هي تزكية للنّفس حتّى الممات، ولا تتوقّف عند حدٍّ معيّن كما هي في الدّين الصّوفي، فهؤلاء حين يتصوّرون إقامة الإسلام عن طريق تربية النّفس التي تسبق هذه الإقامة مخالفون لأبجديّات هذا الدّين العظيم.

أين هذا من دين الصّوفيّة؟.

قال الصوفي في تفسير قوله تعالى: {واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين} ، قال: اليقين هو المعرفة وعلى هذا فإنّ الصّوفي يسمّى سالكًا مادام لم يصل إلى درجة اليقين، وهي عنده تعني الوصول للحظة الكشف والجذبة، كما هو عند السّلفي المزعوم: الوصول إلى درجة أن يقدّم المسلم زوجته لأخيه المسلم، وحين يصبح الصّوفيّ واصلًا فإنّه حينئذً يكون معرّضا للجذبات الإلهية (وهي في الحقيقة شيطانية) ، بل وحينها تسقط عنه التّكاليف الإلهية، لأنّ الإنسان أمُر بها حتى يصل درجة اليقين، وأمّا بعدها فلا.

فالصّوفي لا بدّ أن يسلك حتّى يصل، والسّلفي المزعوم يتربّى حتّى يصل، ونحن على العتبات ننتظر.

بعضهم كالدّكتور صلاح الصّاوي طوّر مفهوم التّربية الفاسد هذا فطبّقه على جانب التّحضير لحصول الغلبة والظّفر، فقال إنّه لا يجوز للجماعة المسلمة أن تشرع بقتال الطّوائف الحاكمة في بلادنا حتى تستكمل أدوات الغلبة والظّفر، وذهب بعضهم بعيدا حين قال: علينا أن لا نجاهد حتّى نجهّز كلّ شيء حتّى نصل إلى درجة تحضير الوزراء بحقائبهم على أبواب الوزارات (وينسب هذا القول لمحمد سرور زين العابدين وقد سُمِعت قريبا من هذه العبارات من بعض القريبين منه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت