فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 431

هذا في أحكام الكفار الأصليين فإنه يجوز للإمام وللمسلمين موادعتهم ومصالحتهم وبسط أحكام الموادعة وموجباتها مفصلة في كتب الأئمة، ويجب الوفاء لهم بهذا، ولا يجوز الغدر ولا الخيانة إلا أن ينقضوا العهد والمواثيق. أما المرتدون فلا يجوز موادعتهم ولا مصالحتهم، قال أبو الليث السمرقندي في"تحفة الفقهاء" (4) : إن أخذ الجزية وعقد الذمة مشروع في حق جميع الكفار إلا مشركي العرب، والمرتدين، فإنه لا يقبل منهم الجزية، كما لم يشرع فيهم الاسترقاق. (5) قال كاساني عند شرحه لما تقدم: بأنه لا يقبل من المرتد إلا الإسلام أو السيف لقول الله تعالى: {تقاتلوهم أو يسلمون} قيل إن الآية نزلت في أهل الردة من بني حنيفة ولأن العقد في حق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعدما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختيار وشؤم طبع فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد ذمة. (6)

قال القرطبي: قال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب، وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيا، أو عجميا، تغلبيا أو قرشيا كائنا من كان إلا المرتد. (7)

قال ابن تيمية: وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام. (8) وعلى هذا فأحكام قتال المرتدين أشد من أحكام قتال الكفار الأصليين، ولما علمنا أن حكام بلادنا مرتدون فلا يجوز مصالحة أحد منهم أو مسالمته أو مهادنته تحت دعوى المصلحة، أي أنه لا يجوز لجماعات الجهاد أن تداهن أحدا من هؤلاء المرتدين أو تسالمه أو تتعاون معه في قتالها لطائفة الكفر في بلدها.

كان المسلمون الأوائل يخرجون للجهاد وقد حضروا أنفسهم وجهزوا أمورهم وهم في أرضهم وبلدهم آمنون.

أما اليوم انظر إلى واقع الجماعات المجاهدة فإنها جاءت إلى واقع مقفل لا منفذ لهم فيه، وقد ترقت الدول العلمانية الكافرة اليوم في الحالة الأمنية الرقي الشديد ما لم يكن بمثل هذه الصورة المتينة في يوم من الأيام، وليس للجماعات المجاهدة أرض ينطلقون منها، ومع ذلك فهم يواصلون الطريق بكل آلامها وجروحها فلو أصابتهم مصيبة في لقاء ومعركة من المعارك فليس لهم أرض يفيئون إليها، ولا فئة ينحازون إليها، فيا الله ما أعظم هذا النوع من الجهاد وما أشقه!!.

نعم إن جهاد المرتدين اليوم جهاد شاق وفيه من البلاء والعنت ما الله به عليم، والرجل المجاهد ملاحق من بيت إلى بيت، وأهله تحت سطوة الطاغوت وقوته، أي أنه مكشوف نصفه، بل أغلبه، فهذا جهاد خاص ولذلك له أجر خاص كما أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أجر المتمسك بدينه في مثل هذه الأزمان أجر خمسين من الأوائل، لأن المجاهدين اليوم لا يجدون على الحق أعوانا وكان الأوائل يجدون على الحق أعوانا.

انظر اليوم كم يعاني الأخ من أجل أن يصل إلى أرض الجهاد، وكم يبذل من الجهد والفكر، وكم يلاقي من العذاب والمشقة من أجل أن يصل إلى أرض ليجاهد فيها، وتفكر في هذه القيود الأمنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت