إلى عالم المؤامرة والحكومات الخفية، فبدل أن تكون صوفية متخلفة تحلل الأمور على أنها من فعل الجن والشياطين وهذا تخلف، فالعلمية هي تسمية هذا العالم بالحكومة الخفية.
ولا يفهم من كلامي أني أنفي عالم الجن والشياطين وأن لهما صلة بواقعنا، أو يفهم من كلامي أي أنفي مبدأ وجود الأعداء المخططين ضد الإسلام وأهله، فأنا بفضل الله تعالى مازلت في مكاني لم أبرح عليه عاكفا.
أي أني أعتقد بوجود عالم الشياطين في الجن والإنس، وأعتقد قوله تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} ولكني لا أعتقد أن محمد علي كلاي كان ينتصر لأنه كان يستعين بجن مسلم يقاتل معه ضد جون فريزر الذي كان يستعين بجن كافر يلاكم معه.
المهم أن المناط الوحيد الذي صار يعلق الناس أحداث الحياة عليه هو العمالة وتخطيط الحكومة الخفية، والارتباط بإحدى أقطاب الصراع في العالم، وكان أئمة هذا الشأن من الجماعات الإسلامية هم حزب التحرير، فإنه ما فتئ يردد للناس من خلال نشراته أن الصراع بين أمريكا وبريطانيا على أشده في اقتسام العالم العربي، ولم يخرج رئيس ملعون أو حاكم مرتد أو رئيس قبيلة أو قائد تنظيم من هذه المعادلة الجديدة، وما من معركة تقوم ولا انقلاب يحدث إلا ضمن هذا السياق والتحليل، فهذا بلد محكوم لأمريكا والانقلاب قام من أجل عمالة بريطانيا، وهذا بلد عميل لبريطانيا وما الانقلاب إلا من أجل عمالة أمريكا، وهكذا ما من حدث إلا ضمن هذه المعادلة، لا يخرج عنها شيء البتة، وانتشر هذا التحليل حتى عند صغار الناس وصار الوعي الكامل والفهم الثاقب البرهنة على أن هذا الحدث ضمن معادلة دولية، وعمالة خفية. وللذكر فإن هذا النوع من التحليل لا يرى للمعسكر الاشتراكي (يوم أن كان معسكرا) وجودا في المنطقة. وقد استخدم بعضهم نفس الأسلوب ضد حزب التحرير فاتهمه بأنه عميل بريطاني، فانقلب السحر على الساحر، وصدق من قال:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
وفي المقابل هناك قوم يحللون الأمر على جهة الحكومة اليهودية: هنا يهود، وهناك يهود، فهذا بلد صنعه اليهود، وهذا حزب وراءه اليهود، فاليهود هم قادة الأحداث كلها في هذا الكون.
وقد قابلت أقواما يحللون كل شيء على مناط الشيوعية، فكل من حارب الدول الديمقراطية واليمينية شيوعي - علم أم لم يعلم - فهو يرى أن الشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي صنيعة شيوعيةلأنهما يحاربان الدولة التي ما زالت أقدامها راسخة في محاربة المد الشيوعي، وهذا تيار موجود في الأردن وله رجاله وله مذهبه، بل إنه يرى أن كل من تكلم على الحكام وكشف شرهم وحرض الأمة على الخروج عليهم صنيعة يهودية - علم أم لم يعلم - ويحللون أحداث الكون على هذا النسق وهذه المعادلة، وهكذا تتغير التفسيرات ولكنها تبقى ضمن إطار واحد ونوع واحد وهو التفسير التآمري للأحداث.
أما ما يهمنا فهو خطورة هذه الطريقة في فهم أحداث الكون والحياة، وبالتالي ما يتعلق بها من أحكام شرعية.
لو نظرنا إلى أدلة هؤلاء المحللين لرأينا هشاشة أدلتهم وعدم قبولها إلا للأطفال والصبية، فبعضهم يجعل فلانا عميلا بمجرد أنه رآه مشتريا مجلة فيها صورة لحاكم من الحكام، وبعضهم يجعل فلانا عميلا لأنه رآه اشترى حذاء من صنع الدولة المعنية، وهكذا .. ، فلما كانت هذه الأدلة لا تقبل ولا تصلح، كانت العمالة عندنا تعني الولاء والنصرة وبالتالي فمن كان عميلا لدولة كافرة هو كافر مثلها، وحكمه في دين الله تعالى هو القتل، وهذا هو حكم الجاسوس عند جمهور