فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 431

يكون رأيه قريبا من السنة، أو يكون مزاجه قريبا من الحق؟!!، وللذكر فإن من جعل ذوقه حاكما على الشريعة يحسن ويقبح من جهة نفسه وهواه كافر زنديق، فليحذر المرء من هذا الباب فإنه من باب القول على الله تعالى بلا علم، وهو أعلى مرتبته من الشرك كما قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (الأعراف) فانظر حفظك الله تعالى إلى ذكر مراتب المعصية وكيف رتب الله درجاتها حيث جعل أعلى المعاصي القول على الله بلا علم نعوذ با لله من الخذلان. ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كلام نفيس في بداية كتابه الاستقامة فارجع إليه فإنه مهم.

قلنا سابقا إن من صوارف الشيطان الظنية في إبعاد الناس عن الحكم الشرعي هذه الأيام ما يسمى بالتحليل السياسي، وهو باب غريب وللناس فيه مذاهب وطرق تحار فيها حينا وتعجب منها حينا، وقبل أن أبين معارضة هذا الظني لقواعد الأصول فإني سأمر مرورا سريعا لتحديد بدايات هذا المأخذ الشيطاني في محاولة لكشف مصدره.

أعتقد أن أوائل وأسياد هذا المذهب في بلادنا هم اليساريون، فهم الذين فتحوا هذا الباب ليخدموا به مذهبهم وطريقتهم، فهم في سبيل إقامة الثورات ضد الحكومات (اليمينية) أو الحكومات (الرجعية) كما يقولون، جعلوا يرددون صباح مساء، وفي كل موطن أن حكوماتنا حكومات عميلة للغرب، وخاصة لأمريكا الجديدة وبريطانيا القديمة، وبريطانيا ومن معها من الدول الاستعمارية التاريخية ثم من لحق بها من العالم الجديد كأمريكا لها حضور سيء قبيح في أذهاننا، وهذا الحضور سببه تلك الآثار السيئة والتي لا تزال شاهدة على هذا السوء إلى يومنا هذا، مثل هذا التفرق والحدود التي اصطنعتها في بلادنا، ثم النهب السيء لخيرات بلادنا، ثم تاريخها مع فلسطين واليهود، فالعقل المسلم مليء ولا شك بهذا الواقع السيء من تاريخ الغرب في بلادنا، فبمجرد أن يلوح الخطيب بارتباط جماعة أو فرد بالغرب يكون كافيا بأن يسقط من أعين الناس واحترامهم.

فإذا أردت تدمير عدو لك ما عليك إلا أن تصفه بالعمالة ابتداء وبالتالي صارت هذه الكلمة تقال جزافا، فما أن يقوم انقلاب في بلادنا حتى يبرر الانقلابيون ذلك بأنهم وطنيون، وأن سلفهم عملاء للاستعمار، وكفى بذلك مبررا.

هذه البداية الصغيرة تطورت في تفسير أحداث الكون حتى صار مشهودا بين الناس المثل القائل: لو رأيت السمك يقتل في البحر ففكر بالإنجليز. ومع قليل من التهويل صار المسلم كلما قرع له بالشنان فكر بالأيدي العميلة المدبرة لأحداث الكون وأحداث الحياة، فليس هناك ثم صغيرة أو كبيرة فوق هذه الأرض وفي داخل البحر إلا وللدول الكبرى فيها يد، وصار المجتهد الجهبذ هو من يبعد لك النجعة في تحليل الخبر وتفسيره ضمن هذا السياق في فهم هذه الأحداث، وهناك بعض الكتب ساهمت في صنع هذه العقلية بغض النظر عن صواب بعض أحداثها وتحليلها أم لا، مثل كتاب"حكومة العالم الخفية"وكتاب"أحجار على رقعة الشطرنج"ومثلها كتاب"بروتوكولات حكماء صهيون"وكتاب"لعبة الأمم"وغيرها من الكتب، فإن هذه الكتب أوحت لقارئها (المؤمن بما فيها) أن أحداث الكون بصغيرها وكبيرها محاطة ومرسومة من قبل عالم خفي!، بعضهم أطلق عليه الماسونية وبعضهم قال هي حكومة أندية الروتاري وغيرها، وعقلية المسلم المتخلفة رأت في نفسها التطور للخروج من تحليل الأحداث على قاعدة الجن والشياطين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت