وفشُوِّه في أرجاء المعمورة ليس كالحال في فجر الدعوة وأول الإسلام أو مع حديث العهد بالإسلام.
وهؤلاء الطواغيت وأنصارهم من عساكر القانون يقتفون آثار من قبلهم من المشركين في الإعراض عن القرآن المتضمن للتوحيد وإهماله وينفرون من سماع الحق كنفور وفرار الحمر الوحشية من الأسد، فهم مشركون جهال بجهل اكتسبوه بإعراضهم عن التذكرة المحفوظة والحجة القائمة بين أيديهم ..
لا لجهل سببه عدم بلوغ الرسالة، أو لجهل سببه العته أو الجنون أو الصغر أو نحو ذلك من موانع الأهلية .. أضف إلى ذلك أنهم محاربون ممتنعون عن شرائع الإسلام بشوكة، ومعلوم أن المحارب لا تجب إقامة الحجة عليه ... ولذلك فرق العلماء في هذا الباب بين من كان قتاله قتال دفع وبين من كان قتاله قتال طلب، ثم يأتي أولئك المجادلون عن هؤلاء المحاربين لدين الله وأوليائه ليرقِّعوا باطلهم، فيزعمون أنّ الحجّة غير مقامة عليهم، ولازم هذا -مع مافيه من جهل- مناقض ومعارض لقوله تعالى {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} وقد علمتَ أنها مقامة في أصل التوحيد من وجوه وأبواب شتى.
ولذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم لرجل سأله عن أبيه:"إن أبي وأباك في النار"رواه مسلم مع أنّهم من القوم الذين قال الله فيهم {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} .
وما ذلك إلاّ لأنّ أصل التوحيد والتحذير من الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى، قد أقام الله عليها الحجة البالغة كما تقدّم من أبواب شتى وأرسل بها الرسل أجمعين.
ومع هذا يأتي بعض من لا يعرفون من الدين إلاّ الاسم ولا من معالمه إلاّ الرسم يطالبون بإقامة الحجة في باب الشرك الواضح المستبين والتوحيد الذي هو أحق حقوق الله على العبيد، والذي بُعِث من أجله جميع الرسل وأُنزلت له كافة الكتب وتواترت عليه الحجج.
وربما أقاموا على ذلك شبهًا بآيات يضعونها في غير موضعها كقوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} يريدون: أنّه لا تكفير إلاّ بعد إقامة الحجّة في كل باب حتى في الشرك الأكبر الواضح المستبين.
وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا فالله جلّ ذكره لم يقل"وما كنّا مكفرين حتى نبعث رسولًا"!.
وإنّما قال {معذِّبين} والمقصود بذلك عذاب الإستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} ، أو العذاب الأخروي كما قال تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى} .
أمّا التكفير خصوصًا في الشرك الأكبر وعبادة غير الله فليس هو المراد بذلك، إذ الكافر إمّا أن يكون كافرًا معاندًا كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به، أو يكون كافرا جاهلًا معرضًا أو مضلّلًا كالضالِّين الذي لبّس عليهم علماؤهم.
وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار جُهّال ضلاّل وإنما أوردهم النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعًا.
وباب الشرك الأكبر الصريح قد أقام الله عليه حججه البالغة فلا يُعذر الجاهل فيه لأنّ جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضًا عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم تقم عليه الحجّة.