فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 431

إذا عرفنا ذلك فإن مما لا يقره النقل ولا العقل أن يتشاغل بعض المصلحين في أزمنتهم عن تلك الفتن العظيمة ذات الخطر المستطير بغيرها مما هو أقل خطورة وأضعف انتشارًا، وأن يِميتوا الكلام عن ذلك الخطر إماتةً لا حياة فيها .. بينما يُشعلون ويُضرمون المعارك الضارية بين المسلمين أنفسهم في قضايا هي أقل خطورة بكثير من فتن العصر الداهمة، بل هي في الحقيقة تبع للفتن العظيمة، وقد تزول بزوالها ...

وإنَّ من الشرك والكفر الواضح المستبين في زماننا هذا، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على خاتم الأنبياء والمرسلين ...

بل إنه يكاد يكون أعظم أنواع الشرك التي يجب أن يتصدى لها العلماء والمصلحون في هذا الزمان، خاصة في هذه البلاد التي نعمت بوصول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه إليها، فلا تكاد ترى قبرًا أو ضريحًا تشدّ إليه الرحال، أو شجرة أو حجرًا يُعبد مع الله تعالى .. فلا يعقل والحال كذلك ولا يستساغ أبدًا ما يفعله كثير من الدعاة من الدندنة ليل نهار على شرك القبور والأصنام وما حواليها، بينما هم قد قبروا الكلام عن شرك العصر وفتنة هذا الزمان من تحكيم قوانين الفرنجة، فلا يذكرون ذلك في محافلهم أو مجالسهم أو كتبهم إلا قليلًا قليلًا.

حتى إن كثيرًا من المسلمين ما عادوا يعرفون عن كتب التوحيد والعقيدة ورسائلها إلا أنها كتب تحارب القبوريين والمشعوذين .. أما الحكم والتشريع وما إلى ذلك فإن القضية عندهم فيها غبش كبير ...

أضف إلى هذه المأساة أن حال كثير من دعاة هذا التوحيد الناقص المبتور لم يقف عند السكوت عن بيان شرك العصر وعدم تحذير الناس من أوليائه وحسب .. بل إن كثيرًا من هؤلاء الدعاة قد أمسوا جنودًا للشرك وحُراسًا للقانون وشرطة للدستور وحماة للطواغيت .. هم لهم جندٌ محضرون .. لا يعرف أكثرهم البراءة إلا من المتصوفة وشعوذاتهم، والروافض وباطلهم، وعُباد القبور وشركياتهم .. وما إلى ذلك - وهذا حق - ولكنك إذا اقتربتَ من عبيد الياسق، وقوانينهم، وظَلامهم، وظُلماتهم ومواقف هؤلاء الدعاة وطرائقهم معهم .. فإنك سترى عجبًا .. وليس الخبر كالمعاينة .. يغدو الواحد من هؤلاء يدرسُ ويُدرِّس التوحيد، بل ويحفظه ولا يمنعه توحيده هذا، من إظهار الولاء لأذناب الفرنجة وعبيد القانون .. وإنما كل الناس عنده إخوان يُصاحب أولياء الأوثان، كما يصاحب عِباد الرحمن، ويأنس بالمنقلب على عقبيه، كما يأنس بالثابت على الإيمان ...

يغدو يبيع دينه لأجل وظيفة أو رتبة، وعلى رأسه وفوق أكتافه شعار الطاغوت وشعار حكومة الياسق .. ويقسم على الولاء لعبيد القانون وعلى احترام قوانينهم الكفرية .. ينتسب إلى الحق ويُوالي من خرج عنه وعق فماذا بقي من توحيده؟؟.

يظنون أن الدين لبيك في الفلا وفعل صلاة والسكوت عن الملا

وسالم وخالط من لذا الدين قد قلا وما الدين إلاّ الحب والبغض والولا

كذاك البرا من كل غاو وآثم

وإن تعجب لواقع هؤلاء فعجبك أشد لمن ذهب يكفر الطواغيت وحكوماتهم من منطلقات الحماس الأجوف أو التقليد أو غيره .. ثم لا يؤثّر هذا المذهب والاختيار في مناهجهم وطرائقهم ودعواتهم .. بل الحال هو الحال والمداهنة كما هي والسير في ركاب الظالمين مستمر .. فماذا استفادوا إذًا من الدندنة والخلاف في التكفير .. إذا كان التكفير لا يعدّل لهم طريقًا أو يقوّم منهجًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت