فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 431

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] .جاءوا - لا أبقاهم الله - في غفلة من الأمة وركون من أبنائها .. واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فنبذوا الشريعة وأحلوا محلها القانون الوضعي الكافر. كما فعل أعداؤنا التتار يوم استولوا على ممالك المسلمين، حيث حكموا سياستهم الملكية المأخوذة عن ملكهم (سنكزخان) يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] عن هذا الملك بأنه: (وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ?) .

ولو تأملت دستور هذا البلد وغيره من البلدان المنتسبة للإسلام ولو تأملت قوانينهم الوضعية لرأيتها كياسق التتار أو أشد خبثًا ..

فإن عبيدها قد عطلوا الشريعة الإسلامية في النفوس والدماء والفروج والأموال وغير ذلك وهجروا حدودها وأحكام قصاصها وشؤون السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية وغير ذلك .. وأخذوه كله من القانون الفرنسي النصراني تمامًا كياسق التتار فقد أخذ من النصارى .. وهؤلاء قنن لهم فقهاء القانون - كما يسمونهم - وغيرهم من عبيد القانون بأهوائهم .. وكذلك ياسق التتار فقد كان من مصادره الرأي والهوى .. وأبقوا - لا أبقاهم الله - بعض القوانين المستقاة من الشريعة الإسلامية مقتصرة على قضايا الإرث والطلاق والزواج والتي يسمونها أحوالًا شخصية، أبقوها للتلبيس على الناس بأنهم لم يهجروا الشريعة كليًا ... تمامًا كما كان ياسق التتار فلقد كان فيه أَيْضًا أحكام من الملة الإسلامية ... كما ذكر ابن كثير وغيره ...

فلا فرق إذًا بين هذا الدستور وقوانينه وبين ياسق التتار، ولكن الفرق بين سكوت الأمة في زماننا عن هذه القوانين وبين حالها مع ياسق التتار كبير، فإنهم لم يهنأ لهم حال ولم يقر لهم قرار مع ذلك الياسق وما فتئوا يعملون مع علمائهم ويجاهدون ويدعون إلى إبطاله وإزالته وتبديله حتى نصرهم الله عز وجل ومكن لهم وأعزهم .. وبقيت شريعة الله هي الحاكمة المهيمنة، ورغم فترات الضعف والشتات التي انتابت الأمة ورغم تكالب الأعداء وتمكنهم من التسلط على كثير من أجزائها كالباطنيين والصليبيين وغيرهم .. لم تبدل الأمة ولا بدل حكامها وسلاطينها في بقية أجزاء بلاد المسلمين شريعة الله الحاكمة .. إلى أن أُلغيت الخلافة الإسلامية على أيدي اليهود وأذنابهم .. وجاء الاستعمار الصليبي العصري ولم يخرج من ديار المسلمين حتى مكّن لأذنابه من سفهاء الحكام الذين نحَّوْا بدورهم الشريعة وأعادوا تحكيم ذلك الياسق التتري ولكن بلباس عصري براق ...

وها هي بلاد المسلمين أثقلتها قيود الطواغيت وسلاسلهم وظلماتهم في ظل هذه القوانين وحل فيها كل فساد ودخلها كل إلحاد .. وعرض للناس بسبب هذه القوانين ومفاسدها فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمّتهم وغلبت عليهم فتنها حتى ربا فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يعد يراها أكثر الناس منكرًا .. بل أمست عندهم البدع في ظلها مقام السنن، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة وقول الحق .. والربا مقام البيع، والظلم مقام العدل، والفجور مقام العفاف .. فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم وكانت 0 قبل ذلك لأضدادها وأهلها هم المشار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت