ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء. . ولكن هذا ليس داخلا في البيعة. ليس جزءا من الصفقة. ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا. وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء. . والابتلاء. .
على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة؛ وعلى هذا كان البيع والشراء. ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء؛ ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية، إلا حين تجردوا هذا التجرد، ووفوا هذا الوفاء:
قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة - -رضي الله عنه- - لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني ليلة العقبة [ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة إليهم] :اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال:"أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم". قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك ? قال:"الجنة". . قالوا: ربح البيع. ولا نقيل ولا نستقيل. . هكذا. ."الجنة". . والجنة فقط! لم يقل. . النصر والعز والوحدة. والقوة. والتمكين. والقيادة. والمال. والرخاء - مما منحهم الله وأجراه على أيديهم - فذلك كله خارج عن الصفقة!
وهكذا. . ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل. . لقد أخذوها صفقة بين متبايعين؛ أنهي أمرها، وأمضي عقدها. ولم تعد هناك مساومة حولها!
وهكذا ربى الله الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض، وزمام القيادة، وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها، وكل رغباتها، وكل شهواتها، حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها، والمنهج الذي تحققه، والعقيدة التي تموت من أجلها. فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه، أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة
وقال تعالى في سورة الأعراف: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
وهذه هي القوة التي لا يحسبون حسابها وهم يشنون هذه المعركة الضارية ضد هذا الدين وضد الأمة المستمسكة به الملتقية عليه المتجمعة على آصرته. . هذه هي القوة التي يغفلها المكذبون بآيات الله. . إنهم لا يتصورون أبدًا أنه استدراج الله لهم من حيث لا يعلمون. ولا يحسبون أنه إملاء الله لهم إلى حين. . فهم لا يؤمنون بأن كيد الله متين!. . إنهم يتولى بعضهم بعضًا ويرون قوة أوليائهم ظاهرة في الأرض فينسون القوة الكبرى!. .
إنها سنة الله مع المكذبين. .
يرخى لهم العنان، ويملى لهم في العصيان والطغيان، استدراجًا لهم في طريق الهلكة، وإمعانًا في الكيد لهم والتدبير. ومن الذي يكيد ? إنه الجبار ذو القوة المتين! ولكنهم غافلون! والعاقبة للمتقين. الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: