ثم شرع في تفصيل هذه الأنواع واحدة واحدة، واستخلص منها أدلة الحكم الشرعي وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
وهذا القسم الرابع من أقسام البيان هو الذي تنكره الظاهرية، ومن جهلهم به حكموا أن مستويات البيان في الدلالة واحدة لا فرق بينها، أي بين ما يعلم نصا وما يعلم اجتهادا، واختلاف الناس في توسيع دائرة السنة وتقنين الشروط في الأخذ بها هي التي تفرق الناس بين أثريين وآرائيين، فكلما وضعت ضوابط أكثر على السنة كلما قل الأخذ بها، وبهذا تتسع دائرة الرأي، وكلما أكثرنا الأخذ بالسنة تقلصت دائرة الرأي، وقاعدة الشريعة تقوم على الاتباع وتقليل الرأي والاجتهاد.
نعود إلى ما سمي بقواعد البيان التي سميت بعد ذلك بأصول الفقه، كون أصول البيان وقواعده هي نفسها قواعد استنباط الحكم الشرعي، فكلما زاد الرجل معرفة في البيان وقواعده كلما ازداد معرفة بمراد الوحي، قال الإمام الشافعي: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت الشبه التي دخلت على من جهل لسانها. ا. هـ. (2) فمن جهل لغة العرب ثم فسر الوحي على أي جهة كان وبأي قواعد أخرى فقد أخطأ وإن أصاب، قال الشافعي: ومن تكلف ما جهل ولم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة والله أعلم، وكان لخطأه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب منه. ا. هـ. (3)
هذه القواعد التي قالها الشافعي لم يخالف فيها أحد من أهل الملة قبل يومنا هذا إلا ما تقوله الباطنية، وهي التي تجعل الرابط بين اللفظ والمعنى ليس هو الوضع اللغوي، وإن قواعد استنباط الحكم الشرعي من اللفظ ليست هي قواعد البيان، بل هي عندهم راجعة إلى سلطة أخرى غير سلطة البيان، مثل قواعد شيوخهم، وهؤلاء لا خلاف بين أهل الملة في كفرهم وزندقتهم، حتى المعتزلة لا يفترقون عن أهل السنة في هذه القاعدة، وهو وجوب إرجاع تفسير النصوص إلى قواعد البيان العربي، يقول الجاحظ وهو معتزلي: للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخرى، ولها حينئذ دلالات أخرى، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل. ا. هـ. (4) فهو يجعل البيان العربي أساس وقاعدة تفسير ولكنه بصفته معتزليا شط في فتح باب، أو لنقل وسع بابا كان ضيقا، وهو أن الأصل في الألفاظ الحقيقة ولا يصار إلى غيرها إلا على استحالة حملها على الحقيقة ووجود القرينة وهو الذي سماه المتأخرون المجاز - فإنه قال: ولتلك الألفاظ مواضع أخرى ولها حينئذ دلالات أخرى ... الخ قوله. ولكن لم يختلف معنا المعتزلة في أساس سلطة البيان، فيقول الزمخشري: وما يميز به - أي إنسان - من سائر الحيوان من البيان هو المنطق - أي الكلام الفصيح المعرب عما في الضمير. ا. هـ. (5)
أما اكتشافنا لأهل البدع فعن طريق معرفتنا مغايرتهم في فهمهم للنص عن قواعد البيان فاكتشافنا لهم يتم بإرجاع أنفسنا وأنفسهم لما فهمته العرب، وعامة ضلال أهل البدع يكون بسبب جهلهم بقواعد اللغة العربية، ولهذا قال الحسن -رضي الله عنه- عن المبتدعة: من العجمة أوتوا. وقال عمرو بن العلاء - من أئمة أهل السنة - لعمرو بن عبيد - إمام المعتزلة في عصره - لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد أن هذا وعد، والله لا يخلف وعده، يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر والذنوب بالنار والخلود، قال له ابن العلاء: من العجمة أوتيت، هذا وعيد لا وعد، وأنشد قول الشاعر: