1 -إن خطاب ابن آدم الصالح لأخيه الآخر، هو خطاب علِمَ الأخ من أخيه أن تخويفه بالله قد يردعه ويرده، وإلا فلو علم أن نفس الأخ غير متهيبة لخطاب التخويف من الله لما خاطبه به، ولكان هذا الخطاب عبثا لا قيمة له، ثم تبين أن هذا الخطاب لم يجد نفعا، ولما تبين أن هذا الخطاب لم يجد نفعا كان لا بد من تغيير التشريع ليوافق الحق، وهو عدم التمادي في الظلم، أو الاسترسال في تحقيق أهواء النفوس بقتل الخصوم، وهذا هو جانب الافتراق كما سيأتي لاحقا، إذا فمقالة الرجل الآخر:"اتق الله"لن تفعل مفعولها إلا في نفس ترهب الله وتخافه، وهذا من جنس قول مريم عليها السلام للملك الذي جاءها بالروح عيسى عليه السلام: {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} ، فالاستعاذة بالرحمن لن يخفرها التقي وهي استعاذة بكلمات الله الكونية لما خفي عن الإنسان من الجن وغيره وهذه تمنع البر والفاجر، واستعاذة بكلماته الشرعية لما يراه الإنسان ويحسه، فحين يقول المرء أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق فإن المقصود بها الكلمات الكونية وليست التشريعية، فلو قال رجل مسلم لكافر: أعوذ بالله منك، وأراد الكافر قتله فإن هذه الكلمات لن تنفعه، أما إذا قالها لمسلم فإنها تنفعه، كما نفعت كلمات المرأة التي لقنت أن تقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أعوذ بالله منك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك ) )، فإنها نفعت مع من يعلم أن خفر ذمة الله تعالى جريمة ومعصية توجب العذاب، فمريم عليها السلام قيدت نفع كلماتها - أعوذ بالله منك بكون السامع تقيا، أما إن كان فاجرا فإنه سيخفر ذمة الله تعالى.
نعود إلى خطاب ابن آدم لأخيه: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} ، هذا تهديد لمن يعلم قيمة الإثم ويؤمن أن وراء هذا الإثم عقابا، وهو الرادع في قلب المؤمن، أما الكافر والعاصي الجاهل الناسي فلن تردعه هذه الكلمات.
فالمؤمن هو الذي يخاطب بكلمات الله الشرعية لأنها عظيمة القيمة في قلبه، وأما غيره فليس له إلا كلمات الله الكونية.
المؤمن يقال له: اتق الله، وعليك أن تخاف اليوم الآخر فيتذكر كما قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} ، وأما الكافر فهو الذي {إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} ، فيتمادى في غيه وعصيانه.
المؤمن تردعه كلمات الله، والكافر تردعه اللطمة وإن لم تنفع فالركلة، فإن لم تنفع فالإرهاب {ترهبون به عدو الله وعدوكم} فإن لم ينفع فقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} ولن يردعهم إلا أن تخضب الأرض بدمائهم {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ... فشرد بهم من خلفهم} . وإعمال كلمات الله التشريعية بالتخويف للكافر هزل بآيات الله تعالى، وإعمال كلمات الله الكونية مع من يرتدع بالكلمات التشريعية ظلم وتجاوز للحد، ولكل له مكانه.
مدرسة الصبر وكف الأيدي تريد منا أن نقول للنصيريين وهم في ذروة حماسهم وسكرتهم: اتقوا الله!!، فهل جربت هذه المدرسة ماذا يقول المرتدون في بلادنا وهم يعذبون الشباب المسلم فتخرج كلمات الاستغاثة من الشباب قائلا: أنا لائذ بالله أو ملتجئ إليه، فماذا كان ردهم؟: ألم يخبرنا أولئك أنهم ردوا عليهم قائلين: لو حضر الله إلى هنا لسجناه معكم. (أستغفر الله وأتوب إليه) .