فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 431

على طريقة سننية لها تمام الوضوح في عالم الشهادة، ولا تغيب عنه الآخرة، فهو الجامع بينهما.

وإن من طامات مشايخنا في كلامهم على وقائع حياتنا أنهم يعتمدون على مبدأ الكشف الصوفي، ولا ينسون أن يفتح الله عليهم بالفهم في تفسير الأحداث، وهذا كله باطل من القول وزورا فإن معرفة المرء للحدث لا تقع على وجهها الصحيح إلا إذا درسه دراسة عقلية سننية، ونظهر إليه كما هو في عالم الشهادة، فحينئذ ينطق إلى الأمر الآخر وهو:

2 -معرفة حكم الله في هذه الواقعة، أي يأتي بعد ذلك الحكم الشرعي، ولا يمكن لأحد أن يطلق حكما شرعيا صحيحا إلا إذا فهم الواقع فهما صحيحا، فالخلق أولا، ثم الشرع، قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} الأعراف. وبعد أن يدرك تطابق الخلق والأمر لابد أن تصدر منه كلمات التسبيح والتعظيم والتقديس، فيزداد يقينا بحكمة الخالق، وتترسخ مبادئه في حكمة الشريعة. حينئذ تخرج منه {تبارك الله رب العالمين} .

فلو أننا قلنا إن السياسي هو من أدرك الأمر الأول فقط (عالم الشهادة) وغاب عنه الأمر الثاني (معرفة حكم الله فيه) فإن هذا لن يكون سياسيا مسلما، وستنطلق رؤاه في التعامل مع الأمور على مبدأ المنفعة التي ليس لها ضابط سوى النظر إلى الفردية الذاتية، أو الشهوة التي يعود مآلها إلى فساد الحياة، وإذا قلنا إن الفقيه هو من أدرك الحكم الشرعي دون معرفته بوقائع الحياة على ما هي عليه فسيكون علمه هذا حبيس ذهنه وعقله، وليس له من أمر الحياة شيء، حينئذ سيقتصر دوره على الوعظ الكنسي الذي يحتاجه الناس يوما في الأسبوع لتخرج منهم زفرات الضيق ارتقابا بانتهاء غثائية الشيخ.

وعلى هذا فإن الفقيه لن يكون فقيها في ديننا ولا يسمى فقيها وعالما إلا إذا كان سياسيا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ووقع على النفوس، وعلى الشباب المسلم أن يسقط من حسه ومن احترامه من يقول: إن من السياسة ترك السياسة، لأنه حين يكون كذلك، أي حين لا يكون سياسيا لن يكون فقيها بل يكون شيخ جهل وتجهيل، وعلى مثل هؤلاء الشيوخ الجهلة يعتمد الطاغوت في إمرار باطله على الناس، وفي إصباغ الشرعية على نفسه، فشيوخنا كمخدرات البيوت، يلقون على أنفسهم الحجاب، ويرفع حجابهم عندما يبدأ مسرح الدجل أمام الطاغوت، ليقرأ عليهم نصوص الحكمة ليدلل لهم على أنه الوفي للإسلام وأهله، وإلا ففسروا لنا ماذا نسمى هذا القطيع البهيمي الذي يتحلق حول الطاغوت وقد زين الرؤوس بعمائم خربة، ولم ينس أن يطلق شعرات الخديعة على لحيته (ولعله نسى أن يحلقها في ذلك اليوم لاضطرابه) ، ثم يخرج من عنده وهو يمدح ويثني ويقسم الأيمان المغلظة على أن حاكمنا هو ولي الأمر الشرعي الذي يجب طاعته.

أهكذا يصنع الفقه بأهله؟.

أم هكذا يكون العلماء؟.

أم أن الفقيه كل الفقه هو عمر بن الخطاب حين يقول:"لست بالخب ولا الخب يخدعني"، وكذلك صاحبه حذيفة حين يقول:"كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن الخير وكنت أساله عن الشر مخافة أن يدركني".

من هو الفقيه والعالم في ديننا؟.

أهذه النماذج الجاهلة التي تعيش في عصرنا أم أولئك الذين سادوا الدنيا وحكموا الوجود؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت