الأمة لم تخرم -للأسف - هذه السنة، على الرغم أنها سنة سيئة ولا شك. ولنقل أنها لم تخرمها بضابطين:
أولهما: إلى الآن، فالبشائر النبوية تعلمنا أن هذا الخط النازل في تطبيق المثال سيعود إلى الصعود في آخر الزمان،"ثم تكون خلافة على منهاج النبوة". لكن هذا المثال. وللأسف مرة أخرى. لن يكون إلا بمثابة الإفاقة الأخيرة والنهائية لهذا الوجود، وهي بمقدار إفاقة من كان في النزع الأخير.
ثانيهما: أن هذا النزول في مجموع الفكرة ومجموع الأمة، وإلا فإن التوقف في النزول حينا أو الصعود حينا يكون مرة في جزئية الفكرة أو جزئية الأمة.
والإسلام حذر من هذه السنة، وهى اتخاذ الأسوة عن طريق المثال بعد غياب الحقيقة أو ما قاربها في القرون الأولى، وشدد على العودة دوما إلى الحقيقة البيانية مع حقيقة التطبيق الأولى، واعتبر أي نزول في المثال انحراف عن جادة الصواب، وابتعاد عن الحقيقة.
ومن هذه التحذيرات الواضحة وهي كثيرة قوله -صلى الله عليه وسلم-:
1 - (( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ) ). وفي رواية:"خير الناس قرني، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يجيء قوم لا خير فيهم". وهذا الحديث وإن كان بصيغة الخبر، إلا أنه يحمل في طياته أمرا توجيهيا وتحذيريا، توجيهيا للمسلم بمن يقتدي، وتحذيريا للمسلم ممن يتقي.
والحديث نموذج للتحذير الذي قدمناه وهو أنه بعد القرن الثالث (الجيل الثالث) ، ينبغي على المسلم أن تتوقف لديه صورة الامتثال والاقتداء عن طريق الأسوة العملية، لأنها لن تكون واضحة في شرح الفكرة ولا هي واضحة في تمثلها، والأخذ بهذه الصور الحادثة تعطي عن الفكرة صورة ناقصة أو مشوهة فحينئذ لا بد من العودة إلى الأصل وهو يساوي البيان مضافا إلى النموذج الأول.
2 -"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وبعيدا عن خلاف السلف. عليهم رحمة الله. في قيمة قول الصحابي إلا أن السنة التشريعية بإجماع أهل الملة قاصرة على النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يشركه فيها أحد، أما السنة التي يقتدى بها فمما لا شك فيه أن النموذج القدوة للسنة التشريعية هم الخلفاء الراشدون، وهو نموذج قاصر عليهم وعلى المسلم أن لا يتعداه في تمثيل البيان عن طريق قدوة ومثال مهما بلغت درجة هذا الآخر، وفي الحديث إشارة إلى الحوادث المهلكة في إنزال مرتبة القدوة حين قال:"وإياكم ومحدثات الأمور"، فالصورة العملية صورة حادثة، ولا شك أنها بمجموعها ستحوي بعض التشويه والنقص، فمن أراد الفوز فليرجع إلى: البيان مضافا إلى النموذج الأول.
وهناك بعض العوارض في أذهان بعضهم تقدح في هذا الأمر، وتسمح بجعل المرتبة المتأخرة نموذجا للقدوة، وقبل أن نتكلم على الأدلة الموضوعية التي يسوقها هؤلاء القوم، أعلم أن بواعث هؤلاء البعض في إنزال مرتبة النموذج بواعث نفسية، وأهم هذه البواعث فقدان روح التمرد، والرغبة في التقليد المريح الذي يسقط عن المسلم الكسول الخامل تبعة المساءلة الأخروية، وتبعة ثمن التضحية في مخالفة عوائد الناس وإيلافهم. وهؤلاء وإن رفضوا مقولة العوام:"قلدها لعالم فتخرج سالم". إلا أنهم في الحقيقة يعيشونها شعورا حاضرا لا يغيب عن