فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 431

كان شأن سلفنا الصالح -رضي الله عنه-م عظيم، مع أهل البدع، ولا يرون شيئا أضر على دين الإسلام منهم، والقارئ المتمعن لكتب السلف لا يرى هذه الهنات النفسية التي وقع فيها الخلف من الإخوان المسلمين وحزب التحرير، ولا يرى فيها التنازلات المقيتة التي وقع فيها المتأخرون من أصحاب التجمعات البدعية، والسلف من أهل الحديث والسنة لم يكن عندهم هم التجميع والتكثير على حساب المنهج بل كان المنهج قبل كل شيء، والتوحيد بجلائه ووضوحه هو أساس المحبة والولاء، والبدعة والشرك هما مناط البغض والعداء والبراء، لكن لما هانت السنة على الناس، وصار الحديث عند أصحاب الفهم الحضاري للإسلام عن الجنة والنار والغيب والآخرة والثواب والعقاب هو حديث السذج من الناس، ضاعت معالم الدين واندرست آثاره، وبدأت المصطلحات الجديدة تغشى الإسلام وشعاره المجرد فصار هناك الإسلام الحضاري، والإسلام الديمقراطي، والإسلام الليبرالي، وصار مقدم القوم هو من يحسن لوك الألفاظ المفخمة، ويتقعر في حديثه متجنبا السنة وآثارها، فتضخمت الرؤوس بالأفكار، والألسن أصابها داء السرطان فطالت مرضا، وقل العمل، وضعفت عبودية الناس لربهم، وقل الشوق إلى الآخرة، حينئذ ضرب الله قلوب الناس بالشبه والأهو اء، فالعبقري الذي لا يفري فريه هو من يحسن رد السنة بالهوى، ومن يقدم الجنة للناس بلا تكاليف، هذا حال أهل الرأي الذين جعلوا الوحي حضارة والنص الغيبي فكرا، فتأنس الإسلام على أيديهم، إذ صار الإسلام هو مصلحة الرجل والجماعة لتحقيق شهواتهم في الدنيا، وكل تكليف ومشقة تلحق الناس في عمل من الأعمال ردوه بحجة الضرورة ورفع الحرج، فتوسع الناس في التأويل وحفظ الرخص ومزالق العلماء وأخطائهم.

وقوم آخرون زعموا التمسك بالسنة وبفهم السلف الصالح، وأخرجوا الناس من تقليد الأوائل ولكنهم لم يبرأوا من جرثومة التقليد فأخرجوا الناس من تقليد الشافعي إلى تقليد ابن باز ومن تقليد مالك إلى تقليد ابن عثيمين ومن تقليد أحمد إلى تقليد الألباني، تحاور الرجل منهم الساعة والساعتين وتلقي بوجهه الدليل تلو الدليل فلا يجد في قلبه من الشر إلا أن يقول لك: ولكن الألباني يقول بغير ذلك!!، ولكن ابن باز لم يقل هذا!!، هل قال بهذا ابن عثيمين وابن باز والألباني؟، من قال بهذا؟، ولو قلت له قال الأئمة العظام لعارض هذا القول في نفسه ما يقول هؤلاء الذين اتخذهم آلهة من دون الله، لا يقول إلا ما يقولون، ولا يدين إلا بمذهبهم، وكأنهم أنبياء هذا الزمان، وكان من مقت الله تعالى لهؤلاء القوم أن مسخ الله قلوبهم وعقولهم حيث جعلوا الإمامة (وهي أعلى المراتب وأشرفها في هذه الدنيا) من حق من مسخ الله قلبه وأتى المكفرات العظيمة، فانتسابهم للسلف لم يعلمهم التوحيد الذي يوجب عليهم البراءة من كل طواغيت الأرض، وإني لأعلم عالما (سلفيا!!) اسمه يطرز على كتب الحديث تحقيقا وتخريجا ومع ذلك هو في حزب علماني من أهل بلده، ولا يرى الحرج في ذلك فأي قوم هؤلاء؟! وأي سنة صحيحة ينتسبون إليها؟!!.

هذا حال المتدينين في هذا الزمان، وأهل السنة والحديث كالملح في الطعام؟ غرباء بين أهل الإسلام، ولولا أن الله برحمته يرطب قلوبهم بالإخلاص وذكر الآخرة لضاقت بهم الحياة وانفطرت قلوبهم حزنا وغما.

إن حدثوا الناس بالسنة والعمل قال أهل النفاق: هؤلاء أهل القشور.

وإن حدثوا الناس بكفر الحاكمين بغير ما أنزل الله وطوائفهم قال أهل النفاق: هؤلاء خوارج.

وإن حدثوا الناس بالجهاد في سبيل الله ضد المرتدين قال أهل النفاق: هؤلاء متسرعون لا يفقهون السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت